السيد الطباطبائي

252

الإنسان والعقيدة

والسير إليه سبحانه الذي هو أيضا نتيجة الفهم والعلم ، يختلف باختلافه ، وينشعب بانشعابه . ولعمري هو من الوضوح بمكان ، وقد ذكرنا هناك أنّ النّاس على طبقات مختلفة ، كلّ طبقة تأخذ على طبق فهمه ، ويعمل على وتيرته . فإذا فرضنا واحدا من العامّة ، وبغيته الدنيا وزخارفها ، يبيت وهو يفكّر في تدبير معاش غده ، كيف يبيع ويشتري ؟ وأين يذهب غدا ؟ ومن يلاقي ؟ ويصبح وهمّه تدبير أمر يومه ، وإصلاح شأنه في الدنيا . إذا سمع داعي اللّه بشيرا ونذيرا يبشّر بمغفرة من اللّه ورضوان وجنّات لهم فيها نعيم مقيم ، وينذر بنار وقودها النّاس والحجارة وسائر ما أعدّ اللّه للظالمين ، فلقصور همّته ، واختصاص همّه بما يشبعه ويرويه ، لا يجد مجالا للغور في آيات اللّه وكلماته ، وإنّما يؤمن بإجمال ما سمع ، ويدين من الأعمال الصالحة بما لا يزاحم ما يبتغيه من الدنيا . فالدنيا عنده هي الأصل ، والدين تبع ، فلذلك يضادّ فعله قوله ، وعمله علمه . تراه يقول : إنّ اللّه سميع بصير ، وهو يقترف كلّ منكر ، ويترك كلّ واجب . وتراه يؤمن بأنّ اللّه هو الوليّ وإليه المصير ، وهو يخضع ويعبد كلّ وليّ من دون اللّه ، ويهرع إلى كلّ شيطان يدعوه إلى عذاب السعير إذا استشعر هناك يسير شيء من زخارف الدنيا ، ولا يرقى فهمه إن استفهمته أنّه لا يرى غير الجسم والجسمانيّات شيئا ، وفوق هذه الأوهام الدائرة أمرا . يؤمن بأنّ اللّه عرشا يصدر عنه أحكام خلقه ، ويجريه عمال ملائكته في السماوات والأرض ، وهي ملكه ، وأولوا العقل من الخلق رعيّته ، وهم هذه الأبدان المحسوسة ، كلّفهم بتكاليف ما دارت الدنيا على الاختيار ، ثمّ يميت اللّه الخلق ، ويعدمهم بعد الوجود . ثمّ يأتي على الدنيا وهي خربة يوم يحيي اللّه فيه الخلق ، ويجمعهم ليوم الجمع ، ثمّ يجزي الصالحين بجنّة ما فيها غير مشتهى النفس ، وهي البدن الدنيوي ، والظالمين بنار ما فيها غير اللهب والشرر . كلّ ذلك على نسق