السيد الطباطبائي

253

الإنسان والعقيدة

ما يتّخذه الملك منّا من لوازم الأبّهة والعزّة وإجراء الحكم ومجازاة الرعيّة وسياسة الملك ، لا شيء أرفع من ذلك . فهذه طبقة ، وذلك مقامهم في العمل والعلم . وإذا فرضنا واحدا من الزاهدين والعابدين ، وهم الناظرون بنظر الاعتبار إلى فناء الدنيا وزخارفها وغرورها ونفادها ، وبقاء ما عند اللّه سبحانه ، المستعدّون للزهد والعبادة ، سمع داعي الحقّ يدعوه إلى الانسلال من أكاذيب مشتهيات الدنيا ، والإقبال إلى عبادة اللّه ، لتحصيل النجاة من أليم العذاب والفوز بنعمة لا تفنى ، وملك لا يبلى ، تمكّنت خشية اللّه في قلبه ، وصار الموت نصب عينه . فأخرجت حبّ الدنيا وهمّ المعاش من قلبه ، ولم يكن له همّ إلّا الزهد عن الدنيا ، أو صالح العمل للّه طمعا في مرضاته . فيهذّب صفات نفسه ، ويصلح جهات عمله ، ويتّقي ما يسخط اللّه سبحانه فيما يستقبله ، كلّ ذلك طمعا في نعيم مخلّد ، وحذرا من عذاب سرمد . ولو أجدت التأمّل في حاله ، وما يريده في مجاهدته ، وجدته لا يريد إلّا مشتهى نفسه ، فهو يحبّ نفسه لما سمع من الحقّ أنّها خلقت للبقاء لا للفناء ، فيحبّها ، ويحبّ مشتهاها ، ويزهد في الدنيا لما يرى من فنائها وزوالها . فلو أنّ الدنيا دامت بأهلها ، وتخلّدت نعمها ومشتهياتها ، وانمحت عنها مكارهها ، لم ينقص من مبتغى هذا العامل المجاهد شيئا . ومن هنا تعلم أنّ الكمال عند هذا الرجل هو مشتهيات النفس من النعم الدنيويّة المادّيّة ، لكنّه يراها مقرونة بالنواقص والموانع ، فيطلب مشتهيات من جنسها خالية من كدورتها . فيرى الدار الآخرة من عرصات الدنيا وخواتمها ، ويعتقد أنّ يوم القيامة من أيّامها . فنفسه واقفة على هذه المرتبة الجسميّة ، لم ترق عنها ليأسها عما هو أشرف منها . فلا يريد كمالا أشرف من الكمال الجسمي ، إذا لم يعهده ولم يعتقد به ، فهو نازل عن مرتبة العلم باللّه ، واقف في مرتبة العمل ، يتقلّب بين أطوار الحياة من قول