السيد الطباطبائي
233
الإنسان والعقيدة
ويظهر من هنا أنّ الحقّ سبحانه هو الحقيقة الأخيرة لكلّ كمال ، حيث إنّ له صرف كلّ كمال وجمال ، وأنّ قرب كلّ موجود منه على قدر قيوده العدميّة وحدوده . ويظهر من ذلك أنّ وصول كلّ موجود إلى كمال الحقيقي مستلزم لفنائه ، حيث إنّه مستلزم لفناء قيوده وحدوده في ذاته أو في عوارضه فقط ، وبالعكس فناء كلّ موجود مستلزم لبقاء حقيقته في مورده فقط . قال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 1 » . فالكمال الحقيقي لكلّ موجود ممكن هو الذي يفنى عنده ، فالكمال الحقيقي للإنسان أيضا هو الذي يصير عند كماله الإنساني مطلقا مرسلا ، ويفنى عنده الإنسان لا كمال له غير ذلك البتّة . وقد مرّ في البرهان السابق أنّ شهود الإنسان لذاته الذي هو عين ذاته ، شهود منه لجميع حقائقه ولحقيقته الأخيرة ، وحيث أنّه فان عند ذلك ، فالإنسان شاهد في عين فنائه . وإن شئت قلت : إنّ حقيقته هي الشاهدة لنفسها ، والإنسان فان . هذا ، فالكمال الحقيقي للإنسان وصوله إلى كماله الحقيقي ذاتا وعوارض ؛ أي وصوله إلى كماله الأخير ذاتا ووصفا وفعلا ، أي فنائه ذاتا ووصفا وفعلا في الحقّ سبحانه ؛ وهو التوحيد الذاتي والاسمي والفعلي ، وهو تمكّنه من شهود أن لا ذات ولا وصف ولا فعل إلّا اللّه سبحانه على الوجه اللائق بقدس حضرته جلّت عظمته ، من غير حلول واتّحاد - تعالى عن ذلك - . وهذا البرهان من مواهب اللّه سبحانه المختصّة بهذه الرسالة ، والحمد للّه . ثمّ إنّ المتحصّل من البرهان المذكور في أوّل الفصل أنّ شهود هذه الحقائق
--> ( 1 ) سورة الرحمن : الآيتان 26 - 27 .