السيد الطباطبائي

198

الإنسان والعقيدة

والأرض ، وهم جماعة من خلق اللّه تعالى لا يحدّ وجودهم حدّ ، ولا يقدر ذواتهم قدر ، فهم أرفع من الحدّ والقدر فلا يتصوّر في حقّهم بعث وإعادة غير أصل خلقهم والصفات التي تبرز يوم القيامة حاصلة عندهم دائما وقد ذكرناها في الفصل الرابع ، فالبدء والعود في حقّهم واحد ولذلك لم يرد في كلامه سبحانه ما يشعر بالبعث في حقّهم هذا . ويلحق بهم في ذلك المخلصون ، فقد مرّت نبذة من حالهم في تضاعيف الفصول الماضيّة فهم عند اللّه لا يحجبهم عنه حجاب مستور ، ليسوا في سماء ولا أرض ، وهم المهيمنون على الجميع المتوسّطون بينه وبين خلقه في المبدأ والمعاد ، وهم المستثنون من حكم قبض ملك الموت وأعوانه والآمنون من فزع النفخة وصعقتها ، وهم غير محضرين لعرصة المحشر ، وهم السالكون في الحجاب ، الحاكمون بين النّاس ، ولبيان أزيد من هذا من صفاتهم مقام آخر . واعلم أنّ ما مرّ هو المستفاد من البرهان على ما تعطيه الأصول السابقة ، فإنّ الغاية عين الفاعل بالضرورة ، فما بدأ منه شيء في وجوده وتعيّن من لدنه في ذاته لا بدّ أن يكون هو المنتهي إليه وجوده . ومن هنا يظهر أنّ كلّا من الجنّة والنار ذات مراتب ودرجات ، فمراتب الجنّة آخذة من تحت إلى فوق ومراتب النّار بالعكس من ذلك . ومن هنا يظهر أنّ كلّ درجة عالية في الجنّة مرتبة لفاعل ذي الدرجة الدانية ولو تصوّر في النّار مثل ذلك لكان الأمر بعكسه . ومن هنا يظهر معنى اللحوق والشفاعة وقد مرّ مرارا ويظهر معنى جمّ غفير من الآيات والروايات ، واللّه الهادي وهو المعين .