السيد الطباطبائي
16
الإنسان والعقيدة
ويستنتج من ذلك أنّ الإنسان بجميع خصوصيّات ذاته وصفاته وأفعاله موجود في عالم المثال من غير تحقّق أوصافه الرذيلة ، وأفعاله السيّئة ، ولوازمه الناقصة ، وجهاته العدميّة . فهو كان موجودا هناك في أهنأ عيش وأقرّ عين ، في زمرة الطاهرين وصفّ الملائكة المقدّسين ، مبتهجا بما يشاهده من نور ربّه ، ونورانيّة ذاته ، وتشعشع أفقه ، ملتذّا بمرافقة الأبرار ، ومسامرة الأخيار ، لا يمسّه فيها تعب ولا لغوب ، ولا يتكدّر بكدورات النواقص والعيوب . لا حجاب بينه وبين ما يشتهيه ، ولا ألم ولا ملال يعتريه .
--> - بوجود هكذا عالم للقاعدة الفلسفيّة المعروفة ، وهي ( الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد ) ، وبما أنّ اللّه سبحانه وتعالى واحد فلا يصدر منه هذه الموجودات الكثيرة إلّا بالواسطة ، فخلق هذه الموجودات التي هي العقول لكي تفيض الوجود على الموجودات الأخرى ، وليس هذا عجز في قدرة اللّه سبحانه وتعالى ، بل هو عجز في نفس الموجودات الممكنة ؛ وبعبارة أخرى أنّه عجز في القابل وليس في الفاعل . 2 - عالم المثال : ويسمّى بعالم البرزخ وعالم الملكوت ، وهو وسط بين عالم العقل وعالم الدنيا ( الطبيعة ) ، والوجودات في هذا العالم متحرّرة من قيود المادة ، فهي ليست ماديّة لكن شكل المادة وأبعاد المادة فيها ، فلا تغيّر ولا تبدّل في هذا العالم ؛ لأنّ التغيّر والتبدّل من خواصّ المادة . 3 - عالم الطبيعة : ويسمّى بعالم المادة وعالم الناسوت ، وهو عالمنا الذي نعيش فيه ونلمس آثاره ونشاهده بالعيان . ويشير الشهيد مرتضى المطهّري في تعليقته على كتاب أصول الفلسفة ( 3 / 423 ) للعلّامة الطباطبائي قدّس سرّه إلى أساس الفكرة التي اعتمدت عليها هذه النظرية بقوله : « انطلق الاستدلال في هذه المقالة على وجود عالم العقل وعالم المثال من وجود الإنسان ، أي بحكم أنّ مرتبة من الإنسان طبيعة ، ومرتبة أخرى منه مثال ، ومرتبة منه عقل ، وبحكم أنّ الطبيعة غير قادرة على إيجاد مرتبة أرفع منها ، أي المثال والعقل ، فلا بدّ أن تكون كلّ مرتبة من وجود الإنسان رهينة بعالم من سنخها » .