السيد الطباطبائي

147

الإنسان والعقيدة

ارتزاق المزوقين استفاضتها منه سبحانه ما يديم به بقاءها من الوجود ، فالحساب كالرزق بوجه ، فلا تزال سحابة الفيض تشرب من بحر الرحمة وتمطر مطر الفيض على بحر الإمكان ، فكلّ قطرة لا حقة تستمدّ بها سابقتها ، وهو الرزق ، وترفع بها حاجتها التي تستحقّها وتقتضيها ، وهو الحساب ، فكما أنّ إفاضة الرزق لها دائم مستمرّ ضروري ، كما قال سبحانه : إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ « 1 » ، فكلّ الحساب بينهما دائم مستمرّ ضروري . وفي النهج سئل عليه السّلام كيف يحاسب اللّه الخلق على كثرتهم ؟ فقال عليه السّلام : « كما يرزقهم على كثرتهم » ، فقيل : فكيف يحاسبهم ولا يرونه ؟ قال : « كما يرزقهم ولا يرونه » « 2 » ، وهو أنفس كلام في هذا الباب . وبالجملة بالأمور ، ومنها الأعمال ، لا تنفكّ عن حسابها عند تحقّقها في الخارج أدنى انفكاك ، قال سبحانه : وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ « 3 » . وقال سبحانه : أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ « 4 » . إذ مع اختصاص الحكم به سبحانه وعدم وجود حاكم غيره يضادّ بحكمه حكمه ، ويدفع به أمره بنحو من الأنحاء بإبطال وتعويق وتضعيف وإنظار ، لا يتصوّر لحكمه سبحانه بطء وتعويض وتأخير ، ولا يمكن فيه مساءة ولا صعوبة ولا يسر ولا عسر ولا غيرها . فهذه المعاني إذا أطلقت يراد بها حصول معانيها بالنسبة إلى إدراك المحاسبين بصيغة المفعول ، كقوله سبحانه : وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ « 5 » .

--> ( 1 ) سورة الذاريات : الآية 23 . ( 2 ) نهج البلاغة : 528 ، حكم أمير المؤمنين رقم 300 . ( 3 ) سورة الرعد : الآية 41 . ( 4 ) سورة الأنعام : الآية 62 . ( 5 ) سورة الرعد : الآية 21 .