السيد الطباطبائي

148

الإنسان والعقيدة

وقوله : فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً « 1 » . وقوله : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ « 2 » . وروى في المجمع عن أبي سعيد الخدري ، قال : قيل : يا رسول اللّه ، ما أطول هذا اليوم ؟ فقال صلّى اللّه عليه واله : « والذي نفس محمّد بيده ، إنّه ليخفّف على المؤمن حتّى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدنيا » « 3 » . وفيه أيضا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : « لو ولي الحساب غير اللّه لمكثوا فيه خمسين ألف سنة من قبل أن يفرغوا ، واللّه سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة » « 4 » . أقول : وبهذين الخبرين يظهر معنى قوله تعالى : كانَ الآية . فيخفّف ذلك على المؤمنين لأنّ وجوههم يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة ، فيرون الأمر على حقيقته وما أمر الساعة إلّا كلمح البصر ، ويطول على الكافرين والفاسقين ؛ لأنّهم يومئذ عن ربّهم لمحجوبون ، فالاختلاف من جانب النّاس وغيره ، وأمّا بالنسبة إلى سبحانه فأمره واحد لا اختلاف فيه . وبالجملة : فأمر الحساب كما عرفت جار دائما ، وأمّا اختصاص يوم القيامة بوقوع الحساب فيه فهو من قبيل اختصاصه في كلامه تعالى بخصال أخرى غير مختصّة به ظاهرا ، كإختصاص الملك يومئذ للّه ، وبروز النّاس يومئذ للّه ، وكون الأمر يومئذ للّه ، وغير ذلك . وقد عرفت فيما مرّ معنى ذلك ، فوقوع الحساب فيه هو ظهور النتيجة حقيقة بتمام المعنى ، فهو ظهور نتيجة الخلقة ووصول الممكن إلى غاية سيره في سبيله من اللّه إليه . قال سبحانه : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ

--> ( 1 ) سورة الطلاق : الآية 8 . ( 2 ) سورة المعارج : الآية 4 . ( 3 و 4 ) تفسير مجمع البيان : 10 / 531 .