السيد الطباطبائي
133
الإنسان والعقيدة
لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً « 1 » . والصواب خلاف الخطأ ، وقال : إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ « 2 » . فالشهادة يومئذ إنّما تتحقّق ممّن حفظ أعمال العاملين على حقيقتها من غير خطأ وعوج . وأنت إذا تأمّلت هذه البنيّة الإنسانيّة على قواها وحواسّها وجدت أنّ هذه الشهادة والتلقّي مستحيلة في حقّها بالنسبة إلى أعمال الحاضرين ، فضلا عن الغائبين ، ومع الحضور من الشاهد فضلا عن الغيبة ، ومع القرب فضلا عن البعد ، وهو واضح ، فليس إلّا أنّ ذلك بأمر آخر وقوّة أخرى وراء ما عند الإنسان المتعارف من القوّة والإحساس يمسّ باطن الإنسان ذي الأعمال ، كمسّه بظاهره وبالغائب كالحاضر وبالعبيد كالقريب ، فهو نور غير جسماني لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الجسم في تأثيراته وأعماله من خصوصيّات الزمان والمكان والحال ، فهو نور يبصر به السرائر ويميّز به الطيّب من الخبيث ، قال سبحانه : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ « 3 » . وقال سبحانه : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ « 4 » . وقد مرّ في الفصل السابق أنّ أصحاب اليمين وأصحاب الشمال يؤتون كتابهم بإمامهم الحقّ « 5 » . وقال سبحانه أيضا : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ
--> ( 1 ) سورة النبأ : الآية 38 . ( 2 ) سورة الزخرف : الآية 86 . ( 3 ) سورة المطفّفين : الآيات 18 - 21 . ( 4 ) سورة المطفّفين : الآيات 7 - 10 . ( 5 ) راجع الصفحة : 125 .