السيد كمال الحيدري
87
أصول التفسير والتأويل
فيه ، انطلاقاً من مقولتين ، المقولة الإسلامية التي لها خصوصيتها وقانونها ، والمقولة الوضعية التي لها هي الأُخرى خصوصيتها وقانونها . والذي يذهب إليه الطباطبائي بشكل صريح ، أنّ النظام الاجتماعي في الحياة الإسلامية لا يجب أن يُحسب على الإسلام في ثوابته الواضحة قرآناً وسنّة ، بل شأنه شأن أىّ نظام اجتماعي آخر يخضع لقوانين النمو والانكسار الحضاريين . وإذا كان الإسلام لا يتحمّل تبعات تأريخ المسلمين ، فلا يصحّ عندئذ لمسلم أو غيره أن ينتظر من هذا التاريخ أن يستفيد من قوانين الإسلام في التسيير الحضارى للأُمّة ، كما ليس للأُمّة أن تنتظر أكثر من المصير الذي آلت إليه ، وهى قد اختارت بإرادتها وفى ظلّ الظروف والأوضاع المعروفة للجميع أن تنقطع كأُمّة وكحضارة عن لطْف السماء ورعايتها . ولكن لا زال الخيار للأُمّة وسيبقى دائماً مفتوحاً لها في أن تعود إلى لطْف السماء ، فتربط حياتها ومصيرها بالإسلام ، لا بالتاريخ المنقطع عنه ، كما هو باد الآن في مظاهر الانبعاث الإسلامي الجديد ، التي حلّت في أرجاء بلاد المسلمين ، وأخذت روحها تسرى في كلّ مكان . من النقاط الأُخرى التي يركّز عليها السيّد الطباطبائي ، إلحاحه الكبير على ضرورة استئناف الفكر الاجتماعي ، وأن يحلّ هذا الأخير محلّ الفكر الفردى الذي ورثناه من الوضع العامّ الذي تحكّم بتاريخ المسلمين . وقصّة تحوّل المسلمين إلى الفكر الاجتماعي ونبْذ الفكر الفردى ، ليست مسألة حذف أو استبدال محض لطريقة فكرية بطريقة أُخرى ، بل هي قضية لها مسيس صلة بطبيعة خيار الأُمّة ، فإن اختارت الأُمّة الإسلام حقّاً طريقاً لنهضتها ، فإنّ الإسلام ألزم أتباعه اعتماد الفكر الاجتماعي ، كما يؤكّد الطباطبائي في غير مكان من الكتاب » . « 1 »
--> ( 1 ) الشيعة . . نصّ الحوار مع المستشرق كوربان ، تأليف السيد محمد حسين الطباطبائي ، نقله إلى العربية : جواد على ( خالد توفيق ) : ص 7 ، مقدّمة المترجم .