السيد كمال الحيدري

72

أصول التفسير والتأويل

من هذا الفوج فإنّ وحدته حقيقية ، وذلك لأنّ الفوج الذي هو مجموع الأفراد لا وجود حقيقىّ له وراء هؤلاء الأفراد » « 1 » . ويمكن أن نجمل الفروق بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية في النقاط التالية : الأُولى : إنّ « الإدراكات الحقيقية هي انعكاس للواقع ونفس الأمر عند الذهن البشرى ، بخلاف الإدراكات الاعتبارية فإنّها فروض واعتبارات يضعها العقل لرفع حاجاته ، ولا واقع لها وراء ظرف العمل ، وما ذُكر في كلمات المنطقيين من تقسيم المدركات إلى تصوّر وتصديق ، والأقسام الموجودة لكلّ منهما ، مرتبط بالإدراكات الحقيقية لا الاعتبارية » « 2 » . الثانية : إنّ الإدراكات الحقيقية لها قيمة منطقية ويمكن الاستفادة منها في البراهين العقلية للكشف عن حقائق وجودية أُخرى ، والاعتبارية ليست كذلك . بتعبير آخر : المفهوم الاعتباري بخلاف المفهوم الحقيقي ليس له حدّ بالمعنى المنطقي ولا برهان عليه أيضاً ، ذلك أنّ الحدّ إنّما هو للماهية وبالماهية ، والمعاني الاعتبارية لا ماهية لها فلا حدّ لها . قال الطباطبائي في « نهاية الحكمة » : « من هنا يظهر أنّ هذه المعاني الاعتبارية لا حدّ لها ولا برهان عليها . أمّا أنّها لا حدّ لها فلأنّها لا ماهية لها داخلة في شئ من المقولات ، فلا جنس لها ، فلا فصل لها ، فلا حدّ لها . نعم لها حدود مستعارة من الحقائق التي يستعار لها مفاهيمها . كاعتبار الرئاسة لرئيس القوم ، ليكون من الجماعة بمنزلة الرأس من البدن في تدبير أُموره وهداية أعضائه إلى واجب العمل . وأمّا أنّها لا برهان عليها ، فلأنّ من الواجب في البرهان أن تكون مقدّماته ضرورية دائمة كلّية ، وهذه المعاني لا تتحقّق إلّا في قضايا حقّة تطابق نفس الأمر ، وأنّى للمقدّمات الاعتبارية ذلك وهى لا تتعدّى حدّ الدعوى ؟ !

--> ( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) أصول الفلسفة ، مصدر سابق ، مقدّمة المقالة السادسة .