السيد كمال الحيدري
64
أصول التفسير والتأويل
مكمّلة للبحوث السابقة وأرضية تمهّد للأفكار الآتية . وهذا النمط علاوة على ما ينهض به من إحكام أواصر المباحث العلمية ، فهو سيأتي متطابقاً مع عالم الوجود الذي تبحث فيه الفلسفة ، لأنّ حلقات سلسلة الوجود تشبه بتعبير صدر المتألّهين قدّس سره في تفسيره النفيس حقل الأعداد ، إذ يستقرّ كلّ عدد في مكانه ، حيث لا مجال لتأخير المتقدّم وتقديم المتأخّر في هذا الحقل المنظّم . وهكذا خُلق كلّ موجود بقدر خاصّ ، وهندسة معيّنة إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( القمر : 49 ) . ولمّا كانت الفلسفة رؤية كونية ، فمن الجدير أن تُدوَّن مباحثها على صورة الكون بنضد رياضىّ ونظم هندسىّ ، لأنّ طرح مسألة معيّنة قبل أوانها هو من قبيل قطف الثمرة قبل أن تنضج ، يترافق مع صعوبة الدرْك الصحيح ، ممّا يستوجب صعوبة التصديق ويستتبع مشقّة الاستدلال . على هذا الأساس جهد الأُستاذ دائماً أن تتشكّل البراهين التي تقام في مسألة فلسفية معيّنة ، إمّا من العلوم المتعارفة والمقدّمات البديهية ، أو تكون مركّبة من أُصول مبيّنة ذُكرت أدلّتها من قبل . فإن أُقيمت عدّة براهين على مسألة واحدة ، فإنّ الأُستاذ لم يكن يرى من المناسب أبداً أن تحال مقدّمات بعض تلك البراهين إلى المستقبل . كان يقول : إنّ المسألة التي تُحرّر بالأُصول الموضوعة ، لا تفضى إلى تفتّح الروح ، وإنّ البحث الذي يقوم على أساس الإحالة إلى المستقبل لا يمكن أن يكون بحثاً فلسفياً كاملًا وخالصاً . لهذا لم يقتصر أُسلوبه التدريسى على رعاية النظم الرياضى الخاصّ في عرض المسائل الفلسفية والاستدلال عليها وحسب ، بل سار على النهج ذاته في