السيد كمال الحيدري

579

أصول التفسير والتأويل

وقع التصريح في بعض الكلمات المتقدّمة أنّ أبا بكر هو أوّل من جمع القرآن بين اللوحين . قال ابن التين وغيره : « إنّ جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب حَمَلته ، لأنّه لم يكن مجموعاً في موضع واحد ، فجمَعَه في صحائف مرتّباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبىّ صلى الله عليه وآله » « 1 » . ومعنى ذلك أنّ جمع أبى بكر كان بمنزلة خيط ربط الأوراق المتفرّقة الموجودة في بيت النبىّ صلى الله عليه وآله ، ولا يبعد الالتزام بما في بعض تلك الروايات من كون المصحف الذي جمع أبو بكر فيه القرآن هو الذي كان عنده زمن حياته ، وكان بعده عند عمر ، وانتقل منه إلى حفصة بنته زوج النبىّ صلى الله عليه وآله . وبهذا يظهر أنّ الإشكال والاشتباه إنّما نشأ من الخلط وعدم تبيّن مفهوم كلمة « الجمع » الواقعة في الروايات ، وتخيّل كون المراد من هذه الكلمة هو الذي وقع محلًّا للبحث في المقام ، ومورداً للنقض والإبرام ، وهذا يستلزم شيئاً من التوضيح وإن كان المتأمّل قد ظهر له الفرق ، فنقول : أمّا الجمع الذي هو محلّ البحث في المقام فهو الجمع بمعنى التأليف والتركيب وجعل كلّ آية في السورة التي هي جزء لها في موضعها من تلك السورة ، والجمع بهذا المعنى لا يكون إلّا وظيفة النبىّ بما هو نبىّ ولم يتحقّق إلّا منه ، ولا معنى لصدوره من غيره حتّى في عصره وزمن حياته ، ومنه يظهر أنّ الروايات الدالّة على تحقّق الجمع من أشخاص معيّنين في زمن النبىّ صلى الله عليه وآله ، لا يُراد بها هذا المعنى ، فإنّ مثل أُبىّ بن كعب لا يقدر على ذلك وإن كان في حياة النبىّ صلى الله عليه وآله ؛ ضرورة أنّه من شؤون القرآن وما به تقوم حقيقته ، ولا طريق له إلّا الوحي .

--> ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ص 213 .