السيد كمال الحيدري

580

أصول التفسير والتأويل

وأمّا الجمع الوارد في الروايات المتقدِّمة ، أعمّ من الروايات الدالّة على عدم تحقّقه في زمن النبىّ صلى الله عليه وآله ، والروايات الدالّة على تحقّقه في زمنه من ناحية أشخاص آخرين ، فالمراد به هو جمع المتفرّقات والمتشتّتات من جهة الأشياء المكتوبة عليها والمنقوشة فيها ، غاية الأمر أنّ الجمع في زمن النبىّ صلى الله عليه وآله كان بمعنى القدرة على تحصيل القرآن بأجمعه وحصوله له كذلك . وبعبارة أُخرى : كان عنده جميع القرآن في الأشياء المتفرّقة ، والجمع بعد حياته بمعنى جمعه بين اللوحين وفى القرطاس والمصحف . فقد ظهر أنّ الجمع بمعناه الذي هو محلّ الكلام بعيد عن مفاد جميع الروايات بمراحل ، وأنّ المتّصف به لا يكون غير النبىّ صلى الله عليه وآله بوجه ، فالروايات وكذا التواريخ الدالّة على تحقّق الجمع من أشخاص في زمن النبىّ صلى الله عليه وآله أجنبىّ عن المقام . أمّا الدور الذي قام به عثمان في جمع القرآن ، فليس هو بمعنى أنّه جمع الآيات والسور في مصحف ، بل بمعنى جمع المسلمين على قراءة إمام واحد ، وأحرق المصاحف الأُخرى التي تخالف ذلك المصحف ، وكتب إلى البلدان أن يحرقوا ما عندهم منها ، ونهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة . وهذا ما تقدّم بيانه سابقاً ، وصرّح به جملة من الأعلام . قال الحارث المحاسبي : « المشهور عند الناس أنّ جامع القرآن عثمان ، وليس كذلك ، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين مَن شهده من المهاجرين والأنصار ، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات ، فأمّا قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي نزل