السيد كمال الحيدري

569

أصول التفسير والتأويل

بن جارية قد أخذه إلّا سورتين أو ثلاث » « 1 » . وكذلك الرواية المتقدمة التي رواها البخاري عن أنس بن مالك . ولعلّ قائلًا يقول : إنّ المراد من الجمع في هذه الروايات هو الجمع في الصدور لا التدوين . وهذا القول دعوى لا شاهد عليها ، أضف إلى ذلك أنّ حفّاظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا أكثر من أن تُحصى أسماؤهم ، فكيف يمكن حصرهم في أربعة أو ستّة ! ! وأنّ المتصفّح لأحوال الصحابة وأحوال النبىّ صلى الله عليه وآله يحصل له العلم واليقين بأنّ القرآن كان مجموعاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأنّ عدد الجامعين له لا يُستهان به . وأمّا ما رواه البخاري بإسناده عن أنس قال : مات النبىّ صلى الله عليه وآله ولم يجمع القرآن إلّا أربعة ، فهو مردود ومطروح لأنّه معارض للروايات المتقدِّمة ، حتّى لما رواه البخاري بنفسه . يُضاف إلى ذلك أنّه غير قابل للتصديق به ، وكيف يمكن أن يحيط الراوي بجميع أفراد المسلمين حين وفاة النبىّ صلى الله عليه وآله على كثرتهم ، وتفرّقهم في البلاد ، ويستعلم أحوالهم ليمكنه أن يحصر الجامعين للقرآن في أربعة ، وهذه الدعوى تخرّص بالغيب وقولٌ بغير علم . وصفوة القول : إنّه مع هذه الروايات كيف يمكن أن يصدّق أنّ أبا بكر كان أوّل من جمع القرآن بعد خلافته ؟ وإذا سلّمنا ذلك فلماذا أمر زيداً وعمر بجمعه من اللخاف والعُسب وصدور الرجال ، ولم يأخذه من عبد الله

--> ( 1 ) منتخب كنز العمّال ، مصدر سابق : ج 2 ص 52 .