السيد كمال الحيدري
486
أصول التفسير والتأويل
باطلة أي زائلة غير ثابتة ، بخلاف تلك الرحمة النازلة المتقدّرة بالأقدار فإنّها باقية ثابتة ، أي حقّة ، وعند ذلك ينقسم ما في الوجود إلى حقّ وهو الثابت الباقي ، وباطل وهو الزائل غير الثابت . والحقّ من الله سبحانه ، والباطل ليس إليه وإن كان بإذنه ، قال تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ( آل عمران : 60 ) ، وقال : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ( ص : 27 ) ، فهذه الموجودات يشتمل كلٌّ منها على جزء حقّ ثابت غير زائل سيعود إليه ببطلان ما هو الباطل منها كما قال : ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ( الأحقاف : 3 ) ، وقال : وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ( يونس : 82 ) ، وقال : إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( الإسراء : 81 ) ، وقال : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ( الأنبياء : 18 ) . إنّ من حكم الحقّ أنّه لا يعارض حقّاً غيره ولا يزاحمه بل يمدّه وينفعه في طريقه إلى كماله ويسوقه إلى ما يسلك إليه من السعادة ، يدلّ على ذلك تعليقه البقاء والمكث في الآية على الحقّ الذي ينفع الناس . وليس المراد بنفي التعارض ارتفاع التنازع والتزاحم من بين الأشياء في عالمنا المشهود ، فإنّما هو دار التنازع والتزاحم لا يرى فيه إلّا نار يخمدها ماء ، وماء تفنيه نار ، ونبات يأكله حيوان ، ثمّ الحيوان يأكل بعضه بعضاً ، ثمّ الأرض تأكل الجميع ، بل المراد أنّ هذه الأشياء على ما بينها من الافتراس والانتهاش تتعاون في تحصيل الأغراض الإلهية ويتسبّب بعضها ببعض للوصول إلى مقاصدها النوعية ، فمثلها مثل المنشار والخشب فإنّهما مع تنازعهما يتعاونان في خدمة النجّار في صنع الباب مثلًا ، ومثل كفّتى الميزان فإنّهما في تعارضهما وتصارعهما يطيعان من بيده الميزان لتقدير الوزن ،