السيد كمال الحيدري

487

أصول التفسير والتأويل

وهذا بخلاف الباطل كوجود خلل في المنشار أو بخْس في المثقال ، فإنّه يعارض الغرض الحقّ ويخيب السعي فيفسد من غير إصلاح ويضرّ من غير نفع . ومن هذا الباب غالب آيات التسخير في القرآن كقوله : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ( الجاثية : 13 ) ، فكلّ شئ منها يفعل ما يقتضيه طبعه غير أنّه يسلك في ذلك إلى تحصيل ما أراده الله سبحانه من الأمر . وهذه الأصول المستفادة من الآية الكريمة هي المنتجة لتفاصيل أحكام الصنع والإيجاد . الحقّ والباطل على مستوى العلوم والاعتقادات إنّ هذه الأُصول كما تجرى في الأمور العينيّة كذلك تجرى في العلوم والاعتقادات ، فإنّ المعارف الحقّة الإلهية كالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب من غير تقييد بكمّية ولا كيفيّة ، ثمّ إنّها كالسيل السائل في الأودية تتقدّر بأقدار مختلفة من حيث السعة والضيق ، وهذه الأقدار أمور ثابتة كلٌّ في محلّه ، كالحال في أُصول المعارف والأحكام التشريعيّة ومصالح الأحكام التي ذكرنا فيما مرّ أنّها روابط تربط الأحكام بالمعارف الحقّة . هذا حكمها في نفسها مع قطع النظر عن البيان اللفظي ، وهى في مسيرها ربما صحبت ما هو كالزبد يظهر ظهوراً ثمّ يسرع في الزوال ، وذلك كالأحكام المنسوخة التي تنسخها النواسخ من الآيات ، فإنّ المنسوخ مقتضى ظاهر طباعه أن يدوم لكنّ الحكم الناسخ يبطل دوامه ويضع مكانه حكماً آخر . هذا بالنظر إلى نفس هذه المعارف مع قطع النظر عن ورودها وادى البيان اللفظي . وأمّا المعارف الحقّة من حيث كونها واردة في ظرف اللفظ والدلالة ،