السيد كمال الحيدري

485

أصول التفسير والتأويل

والغاية من ضرب هذا المثل في الآية هو بيان أمور تعدّ من كلّيات المعارف الإلهية ، سواء على مستوى الأمور العينيّة والحقائق الخارجية ، أو على مستوى العلوم والاعتقادات . الحقّ والباطل على مستوى الحقائق الخارجية يشتمل هذا المثل على الأُصول التالية : إنّ الوجود النازل من عنده تعالى على الموجودات الذي هو بمنزلة الرحمة السماوية والمطر النازل من السحاب على ساحة الأرض ، خال في نفسه عن الصور والأقدار ، وإنّما يتقدّر من ناحية الأشياء أنفسها كماء المطر الذي يحتمل من القدر والصورة ما يطرأ عليه من ناحية قوالب الأودية المختلفة في الأقدار والصور ، فإنّما تنال الأشياء من العطية الإلهية بقدر قابليّتها واستعداداتها وتختلف باختلاف الاستعدادات والظروف والأوعية . هذا أصلٌ عظيم تدلّ عليه أو تلوّح إليه آيات كثيرة من كلامه تعالى كقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) ومن الدليل عليه جميع آيات القدر . ثمّ إنّ هذه الأمور المسمّاة بالأقدار وإن كانت خارجة عن الإفاضة السماوية مقدّرة لها ، لكنّها غير خارجة عن ملك الله سبحانه وسلطانه ولا واقعة من غير إذنه ، وقد قال تعالى : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ( هود : 123 ) وقال : بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ( الرعد : 31 ) وبانضمام هذه الآيات إلى الآيات السابقة يظهر أصل آخر أدقّ معنىً وأوسع مصداقاً . إنّ تفرّق هذه الرحمة السماوية في أودية العالم وتقدّرها بالأقدار المقارنة لها ، لا ينفكّ عن أخباث وفضولات تعلوها وتظهر منها ، غير أنّها