السيد كمال الحيدري
484
أصول التفسير والتأويل
في السيل وزبده وما يوقدون عليه في النار وزبده . فالمراد بالضرب والله أعلم نوعٌ من التثبيت من قبيل قولنا : ضربت الخيمة أي نصبتها ، وقوله : ضُربت عليهم الذلّة والمسكنة أي أُوقعت وأُثبتت ، وضُرب بينهم سور ، أي أُوجد وبُنى ، واضرب لهم طريقاً في البحر ، أي افتح وثبّت . وإلى هذا المعنى أيضاً يعود ضرب المثل لأنّه تثبيت ونصب لما يماثل الممثّل حتّى يتبيّن به حاله . فالجميع في الحقيقة من قبيل إطلاق الملزوم وإرادة اللّازم ، فإنّ الضرب وهو إيقاع شئ على شئ بقوّة وعنف لا ينفكّ عادةً عن تثبيت أمر في ما وقع عليه الضرب ، كثبوت الوتد في الأرض بضرب المطرقة ، وحلول الألم في جسم الحيوان بضربه ، فقد أطلق الضرب وهو الملزوم وأُريد التثبيت وهو الأمر اللازم . ثمّ قال تعالى : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ جَمَعَ بين الزبدين أعنى زبد السيل وزبد ما يوقدون عليه وقد كانا متفرّقين في الذِكْر ، لاشتراك الجميع فيما يذكر من الخاصّة ، وهو أنّه يذهب جفاءً . وقد عدل عن ذكر الماء وغيره إلى قوله : وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ للدلالة على خاصّة يختصّ بها الحقّ ، وهو أنّ الناس ينتفعون به وهو الغاية المطلوبة لهم . والمعنى : فأمّا الزبد الذي كان يطفو على السيل ويعلوه أو يخرج ممّا يوقدون عليه في النار فيذهب جفاءً ويصير باطلًا متلاشياً ، وأمّا الماء الخالص أو العين الأرضية المصوغة وفيها انتفاع الناس وتمتّعهم في معاشهم فيمكث في الأرض ينتفع به الناس . ثمّ قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ وختم به القول ، أي أنّ الأمثال المضروبة للناس في كلامه تعالى تشبه المثل المضروب في هذه الآية ، في أنّها تميّز الحقّ من الباطل وتبيّن للناس ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم .