السيد كمال الحيدري

397

أصول التفسير والتأويل

لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( الأنفال : 23 22 ) بمعنى « أنّ الله إنّما ابتلاهم بالصمم والبكمة فلا يسمعون كلمة الحقّ ولا ينطقون بكلمة الحقّ ، وبالجملة حرمهم من نعمة السمع والقبول ، لأنّه تعالى لم يجد عندهم خيراً ولم يعلم به ، ولو كان لعلم ، لكن لم يعلم فلم يوفّقهم للسمع والقبول ، ولو أنّه تعالى رزقهم السمع والحال هذه لم يثبت السمع والقبول فيهم ، بل تولّوا عن الحقّ وهم معرضون » « 1 » . بما تقدّم يمكن فهم أصل مهمّ في معارف الإمامة الإلهيّة ، حيث ثبت أنّ الله سبحانه خلق بعض عباده على استقامة الفطرة واعتدال الخلقة ، فنشؤوا من بادئ الأمر بأذهان وقّادة وإدراكات صحيحة ونفوس طاهرة وقلوب سليمة ، فنالوا بمجرّد صفاء الفطرة وسلامة النفس من نعمة الإخلاص ما ناله غيرهم بالاجتهاد والكسب ، بل أعلى وأرقى ، لطهارة داخلهم من التلوّث بألوان الموانع والمزاحمات ، والظاهر أنّ هؤلاء هم المخلَصون لله في عرف القرآن ، وهؤلاء هم الأنبياء والأئمّة ، وقد نصّ القرآن بأنّ الله تعالى اجتباهم أي جمعهم لنفسه وأخلصهم لحضرته ، قال تعالى : وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( الأنعام : 87 ) ، وقال : هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ( الحج : 78 ) . والروايات الواردة في المقام تؤكّد أنّ منشأ هذا الاجتباء والاصطفاء الإلهى ، أنّه علِم منهم أنّهم لا يريدون إلّا الطاعة والعبودية له تعالى . روى عن الإمام الصادق عليه السلام في جوابه عن أسئلة بعض الزنادقة الذي سأله مسائل كثيرة : « قال : كيف يَعبد اللهَ الخلقُ ولم يروه ؟

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 9 ص 43 .