السيد كمال الحيدري
396
أصول التفسير والتأويل
بمقتضى التوحيد الأفعالى ، لكنّها مخلوقة وفق ما يريده الإنسان ويختاره . وهذا المعنى هو الذي ذكره أكثر أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام وعوّلوا عليه في هذا الباب « فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح كلّها قابلة للخير والشرّ إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( الإنسان : 3 ) وقادرة على فعلهما مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( الإسراء : 20 18 ) ، وعلم أنّ بعضها يعود إلى الخير المحض وهو الإيمان ، وبعضها يعود إلى الشرّ المحض وهو الكفر باختيارها ، عاملها هذه المعاملة كالخلق من الطينة الطيّبة أو الخبيثة ، فحيث علم الله من زيد أنّه يختار الخير والإيمان البتّة ولو لم يخلق من طينة طيّبة ، خلقه منها ، ولمّا علم من عمرو أنّه يختار الشرّ والكفر البتّة خلقه من طينة خبيثة ، لطفاً بالأوّل وتسهيلًا عليه وإكراماً له ، لما علم من حسن نيّته وعمله ، وبالعكس في الثاني فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ( الليل : 10 5 ) . وعلم الله ليس بعلّة لصدور الأفعال ، وهذا معنىً جيّد تنطبق عليه أكثر أخبار الباب ، ويستنبط من أخبارهم عليهم السلام » « 1 » . والآيات والروايات شاهدة على هذا المعنى ، قال تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً
--> ( 1 ) مصابيح الأنوار ، تأليف : السيّد عبد الله شبّر ، المتوفّى 1242 ه ، انتشارات بصيرتي ، قم : ج 1 ص 13 .