السيد كمال الحيدري
395
أصول التفسير والتأويل
( فاطر : 37 ) وقال : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ( الأنعام : 28 ) ، فقد علم الشئ الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون . فقمت لأُقبِّل يده ورجله ، فأدنى رأسه ، فقبّلت وجهه ورأسه ، وخرجت وبى من السرور والفرح ما أعجز عن وصفه لما تبيّنتُ من الخير والحظّ » « 1 » . هذه النصوص وكثيرٌ غيرها تؤكّد حقيقة علم الله تعالى بالأشياء علماً أزليّاً قبل خلقه لها وإيجاده إيّاها ، بل يعلم سبحانه ممتنع الوجود أن لو كان وجد كيف يكون ، مثل شريك الباري تبارك وتعالى . فإذا علم الله سبحانه وعلمه أزلىّ قبل خلق الأشياء من عبد أنّه لا يريد سوى الطاعة والعبادة والطهارة من الرجس والدنس ، فلامحالة يعطيه ذلك ويهيّئ له جميع الأسباب كما هو مقتضى وعده وما كتبه على نفسه ، ولابدّ أن تتعلّق إرادته التكوينيّة بذلك ، تمكيناً للعبد من تحقيق ما يريده ، ولا يعنى هذا أىّ جبر لذلك الإنسان في تحقيق مراده ، بل يبقى العبد مختاراً مريداً ، قد استجابت المشيئة الإلهية لما اختاره وأراده . وكذا لو علم من شخص آخر أنّه لا يريد سوى التمرّد والجحود والكفر والعصيان والخروج عن حبل الطاعة ، فلا يمنعه من ذلك ، بل يُعطيه كلّ ما يريد تحقيقاً لرغباته ، كما أنّ الإرادة الإلهيّة التكوينيّة أيضاً تتعلّق بتلكم الأفعال . وهذا أيضاً لا يعني الجبر على المعصية ، بل شاء إنسان باختياره هو وإرادته أن لا يستجيب لأوامر الله تعالى ، فشاءت إرادة الله تحقيق ما اختاره ذلك الإنسان . ومن ثمّ يتّضح لنا أنّ إرادة الله التكوينيّة التي لا يتخلّف عنها المراد ، لاتتنافى مع اختيار الإنسان ، وإن كانت جميع أفعال الإنسان مخلوقة لله تعالى
--> ( 1 ) التوحيد للصدوق ، مصدر سابق ، ص 64 ، باب التوحيد ونفى التشبيه ، الحديث : 18 .