السيد كمال الحيدري

39

أصول التفسير والتأويل

من هذه الجهة صار من الصعب تدوين السيرة الفلسفية والعلمية للأُستاذ العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه لأنّ الأفكار الفلسفية لهذا الحكيم المتألّه تشهد في أعماقها خشوع عباد الله الخلّص ، وتتجلّى في جميع أركانه العبادية بصائر علمية عميقة ، ويصدق عليه التعبير الرفيع للمحقّق الطوسي قدّس سره في « شرح الإشارات » : كان وافر الحظ من نقاء السريرة واستقامة السيرة معاً ، وهذان شرطان لتحصيل الحكمة « 1 » . فمن جهود هذا الفيلسوف الإلهى التي لا يشوبها شئ ، في نشر معارف الكتاب وسنّة المعصومين عليهم السلام نعرف أنّه من زمرة أولياء الله ، الذين « بهم عُلم الكتاب وبه عُلموا » كما في نهج البلاغة . كما يمكن القول : إنّ هذا الحكيم الإلهى الكبير هو من جملة المؤمنين الخلّص ، الذين امتحن الله تعالى قلوبهم للإيمان الكامل ، حتّى اجتمعت جنود العقل في روحه المنيفة السامية ، وأُجليت جنود الجهل عن حريم أمن هذا الولىّ . قال الإمام الصادق عليه السلام بعد أن استعرض جنود العقل والجهل في حديث سماعة بن مهران : « فلا تجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد العقل إلّا في نبىّ أو وصىّ نبىّ ، أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان » « 2 » . بناءً على ذلك ، لن يكون من السهل تحليل البُعد الفلسفي والعلمي في شخصية هذا الفيلسوف المتألّه ، كما ليس سهلًا أيضاً التزام الصمت والإمساك عن الكتابة والإغضاء عن ترجمة عقل الأُمّة هذا . لذا كان من الأليق أن نكتفي بالميسور ، تاركين التتمّة للأعلام من الحكماء ، عائدين بالتكملة إلى ذوى الهمّة من أهل النظر « 3 » .

--> ( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، للشيخ أبى على الحسين بن سينا ، مع الشرح للمحقّق نصير الدين محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي ، وشرح الشرح للعلّامة قطب الدين محمّد بن محمّد بن أبي جعفر الرازي ، الناشر : دفتر نشر الكتاب ، الطبعة الثانية 1403 ه : ج 3 ص 420 . ( 2 ) الأُصول من الكافي ، لثقة الإسلام أبى جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ، دار صعب ، دار التعارف للمطبوعات ، الطبعة الرابعة : 1401 ه : ج 1 ص 23 ، كتاب العقل والجهل ، الحديث : 14 . ( 3 ) هذا البحث أخذناه من كتاب : العلّامة الطباطبائي ، ملامح في السيرتين الشخصية والعلمية : ص 429 ص 434 .