السيد كمال الحيدري
37
أصول التفسير والتأويل
وكلّما افترقت الأفكار الكسبية والخارجية عن البصائر الفطرية والرؤى الداخلية ، ولم تتعاضد نتائج الدرس والبحث المدرسي مع المحصّلات الحضورية ، فإنّ معطيات العقل لن تتّسق مع مكابدات القلب ، ولن تتواءم المكاسب العلمية للعقل النظري مع ركائز العقل العملي القويّة . والخلاصة : ما لم تخضع توجّهات الفكر البشرى لقيادة الوحي الإلهى ، فستكون هباءً بلا نفع ، بل حجاباً أكبر ، ف « ربّ عالم قد قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه » « 1 » . ولهذا قال نبىّ الإسلام صلى الله عليه وآله في دعائه بين يدي الله : اللهمّ إنّى أعوذ بك من علم لا ينفع . إنّ المعرفة التي لا تتحوّل إلى خميرة للعمل الصالح ، والعلم الذي لا يكون منبثقاً للفعال الحسنة ، لهو من أوضع العلوم وأحطّها ، لأنّ أسمى العلوم وأرفعها هو الذي يتجلّى في الأركان ويظهر في الأعمال ؛ « أوضعُ العلم ما وقف على اللسان ، وأرفعُه ما ظهر فيالجوارح والأركان » « 2 » . ما لم تتوافق أفكار الحكماء السامية مع مجاهداتهم الذاتية والباطنية ، ولم تترافق أفكار أهل النظر الفلسفية مع تهذيباتهم وآدابهم المشرقة ، فلن تصيب الواقع ، وعندها لا تقف عند عدم كونها شافية وليست ذات شأن في فتح آفاق الطريق ، بل ستبعث على الألم وتغدو حجر عثرة وداء أيضاً ، لأنّ « كلام الحكماء إذا كان صواباً كان دواءً ، وإذا كان خطأً كان داءً » « 3 » . وسرّ هذه العناية أنّ كلام الحكماء يدور حول العقائد والأُصول الأساسية ، وله صلة عميقة بأهمّ جوانب الحياة الإنسانية ، فإن جاء صواباً كان باعثاً لاستنارة الروح وإشراقها ، وإن جاء خطأً استوجب هبوط الروح وانحدارها . إنّ العلم الذي لا يتأتّى منه العمل الصالح ، والمعرفة التي لا تفضى لإطاعة الله ، جهل . واليقين الذي لا يبعث على التقوى ولا يتحوّل إلى أرضية للزهد ، شكّ :
--> ( 1 ) المصدر السابق ، الحكمة رقم : 107 ، ص 487 . ( 2 ) المصدر السابق ، الحكمة رقم : 92 ، ص 483 . ( 3 ) المصدر السابق ، الحكمة رقم : 265 ، ص 521 .