السيد كمال الحيدري
340
أصول التفسير والتأويل
موقفان إزاء المثل في القرآن قلنا أنّ القرآن اعتمد الأمثال لإيصال المعارف العالية إلى سطح الأفهام العامّة التي لا تدرك إلّا الحسّيات ولا تنال المعاني الكلّية إلّا في قالب الجسمانيات ، واستلزم ذلك أحد محذورين : « فإنّ الأفهام في تلقّيها المعارف المُرادة منها إن جمدت في مرتبة الحسّ والمحسوس انقلبت الأمثال بالنسبة إليها حقائق ممثّلة ، وفيه بطلان الحقائق وفوت المرادات والمقاصد ، وإن لم تجمد وانتقلت إلى المعاني المجرّدة بتجريد الأمثال عن الخصوصيات غير الدخيلة لم يؤمن من الزيادة والنقيصة . ولا مخلص عن هذين المحذورين إلّا بتفريق المعاني الممثّل لها إلى أمثال مختلفة ، وتقليبها إلى قوالب متنوّعة حتّى يفسّر بعضها بعضاً ، ويوضح بعضها أمر بعض ، فيعلم بالتدافع الذي بينها : أوّلًا : أنّ البيانات أمثال ولها في ما وراءها حقائق ممثّلة ، وليست مقاصدها ومراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة الحسّ والمحسوس . ثانياً : بعد العلم بأنّها أمثال ، يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من الخصوصيات المكتنفة بالكلام ، وما يجب حفظه منها للحصول على المرام ، وإنّما يحصل ذلك بأنّ هذا يتضمّن نفى بعض الخصوصيات الموجودة في ذلك ، وذاك نفى بعض ما في هذا . وإيضاح المقاصد المبهمة والمطالب الدقيقة بإيراد القصص المتعدِّدة والأمثال والأمثلة الكثيرة المتنوّعة ، أمرٌ دائر في جميع الألسنة واللغات من غير اختصاص بقوم دون قوم ولغة دون لغة ، وليس ذلك إلّا لأنّ الإنسان يشعر بقريحة البيان مساس حاجته إلى نفى الخصوصيات الموهمة لخلاف