السيد كمال الحيدري
339
أصول التفسير والتأويل
هو النظام الأتقن الذي لا يتخلّله اضطراب ولا ينفذ إليه فساد . على أنّ الأمر لا يقتصر على هذه الآية الكريمة وحدها ، بل تطلع علينا مقدّمة سورة الملك بمشهد يحكى التماسك والترابط والوحدة في النظام الوجودي وأنّ عالم الإمكان لا ينطوى على أىّ ضرب من النقص والتفاوت والفساد ، يقول سبحانه : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ( الملك : 4 3 ) . أمّا المثال الذي ضربه الله لنفى تعدّد الآلهة فهو في قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( الزمر : 29 ) ، قال الراغب : « الشكس - بالفتح فالكسر - سيّئ الخلق ، وقوله : شركاء متشاكسون أي متشاجرون لشكاسة خلقهم . . . مثلٌ ضربه الله للمشرك الذي يعبد أرباباً وآلهةً مختلفين فيشتركون فيه وهم متنازعون ، فيأمره هذا بما ينهاه عنه الآخر وكلٌّ يريد أن يتفرّد فيه ويخصّه بخدمة نفسه ، وللموحِّد الذي هو خالص لمخدوم واحد لا يشاركه فيه غيره فيخدمه فيما يريد منه من غير تنازع يؤدّى إلى الحيرة ، فالمشرك هو الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون ، والموحِّد هو الرجل الذي هو سلم لرجل ، لا يستويان ، بل الذي هو سلم لرجل أحسن حالًا من صاحبه . وهذا مَثَلٌ ممكن الفهم لعامّة الناس ، لكنّه عند التدقيق يرجع إلى قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ( الأنبياء : 22 ) وعاد برهاناً على نفى تعدّد الأرباب والآلهة » « 1 » .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 17 ص 258 .