السيد كمال الحيدري

325

أصول التفسير والتأويل

محدود بحدٍّ ، وهو مع ذلك هو ، لكن كلّما تنزّل ازدادت حدوده وقيوده وقلَّ كماله . خلاصة هذه النقطة أنّ للشئ حال تنزّله قدراً به يتعيّن ويتميّز عن غيره . نموذج تطبيقي : القرآن الكريم يعدّ القرآن الكريم أحد أهمّ التطبيقات التي أشار إليها القرآن للأصل المتقدِّم ، قال سبحانه : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( الزخرف : 4 2 ) ، فإنّه يدلّ على أنّ القرآن النازل كان عند الله أمراً أعلى وأحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطّع والتفصّل ، لكنّه تعالى عناية بعباده جعله كتاباً مقروءاً وألبسه لباس العربية لعلّهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله ومعرفته ما دام في أُمّ الكتاب . قال الطباطبائي في ذيل هذه الآيات : « إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الضمير للكتاب و قُرْآناً عَرَبِيًّا أي مقروّاً باللغة العربية ، و لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ غاية الجعل وغرضه . هذا الجعل المذكور يشهد بأنّ القرآن له مرحلة من الكينونة والوجود لا ينالها عقول الناس ، ومن شأن العقل أن ينال كلّ أمر فكرى وإن بلغ من اللطافة والدقّة ما بلغ ، فمفاد الآية أنّ الكتاب بحسب موطنه الذي له في نفسه أمرٌ وراء الفكر أجنبىّ عن العقول البشرية ، وإنّما جعله الله قرآناً عربيّاً وألبسه هذا اللّباس رجاء أن يستأنس به عقول الناس فيعقلوه ، والرجاء في كلامه تعالى قائم بالمقام أو المخاطب دون المتكلِّم كما تقدّم غير مرّة » « 1 » .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 18 ص 83 .