السيد كمال الحيدري

326

أصول التفسير والتأويل

ولعلّ في قوله تعالى : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود : 1 ) ، ما يشير إلى هذا المضمون أيضاً ، فالإحكام كونه عند الله بحيث لا ثلمة فيه ولا فصل ، والتفصيل هو جعله فصلًا فصلًا وآية آية وتنزيله على النبىّ صلّى الله عليه وآله . ويدلّ على هذه المرتبة الثانية من القرآن التي تستند إلى الأُولى قوله تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( الإسراء : 106 ) ، قال الطبرسي في مجمع البيان : « معنى فرقناه فصّلناه ونزّلناه آية آية وسورة سورة ، ويدلّ عليه قوله : عَلى مُكْثٍ » « 1 » . فاللفظ بحسب نفسه يعمّ نزول المعارف القرآنية التي هي عند الله ، في قالب الألفاظ ، والعبارات التي لا تتلقّى إلّا بالتدريج ولا تتعاطى إلّا بالمكث والتؤدة ليسهل على الناس تعقّله وحفظه . وكيفما كان فقد كان القرآن « غير مفروق الآيات ثمّ فرّق ونزّل تنزيلًا وأوحى نجوماً . وليس المراد بذلك أنّه كان مجموعَ الآيات مرتّبَ السور على الحال الذي هو عليه الآن عندنا كتاباً مؤلّفاً مجموعاً بين الدفّتين مثلًا ، ثمّ فرّق وأُنزل على النبىّ صلّى الله عليه وآله نجوماً ليقرأه على الناس على مكث ، كما يفرّقه المعلّم المقرئ منّا قطعات ثم يعلّمه ويقرّيه متعلّمه كلّ يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه ، وذلك أنّ بين إنزال القرآن نجوماً على النبىّ صلّى الله عليه وآله وبين إلقائه قطعة قطعة على المتعلّم فرقاً بيّناً ، وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآية على النبىّ صلّى الله عليه وآله ، ولا شئ من ذلك ولا ما يشبهه في تعلّم المتعلِّم . فالقطعات المختلفة الملقاة إلى

--> ( 1 ) مجمع البيان في تفسير القرآن ، تأليف الشيخ أبى على الفضل بن الحسن الطبرسي ، منشورات دار مكتبة الحياة ، بيروت : المجلّد الرابع ، الجزء الخامس عشر ، ص 109 .