السيد كمال الحيدري
306
أصول التفسير والتأويل
وقال ابن عبّاس : ليس في الدُّنيا ممّا في الجنّة إلّا الأسماء ، فإنّ الله قد أخبر أنّ في الجنّه خمراً ولبناً وماءً وحريراً وذهباً وفضّة وغير ذلك ، ونحن نعلم قطعاً أنّ تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه بل بينهما تباين عظيم مع التشابه كما في قوله : وأتوا به متشابها ( البقرة : 25 ) . على أحد القولين أنّه يشبه ما في الدُّنيا وليس مثله ، فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض الوجوه ، فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما ، ولكن لتلك الحقائق خاصّية لا ندركها في الدُّنيا ، ولا سبيل إلى إدراكنا لها ؛ لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كلّ وجه ، وتلك الحقائق على ما هي عليه هي تأويل ما أخبر الله به . التأويل لا يختصّ بالآيات المتشابهة قال تعالى : و ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إمّا أن يكون الضمير عائداً على الكتاب أو على المتشابه . فإن كان عائداً على الكتاب كقوله ( منه ، ومنه ) فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ فهذا يصحّ ، فإنّ جميع آيات الكتاب المحكمة والمتشابهة التي فيها إخبار عن الغيب الذي أُمرنا أن نؤمن به لا يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع إلّا الله . وقد يستدلّ لهذا أنّ الله جعل التأويل للكتاب كلّه مع إخباره أنّه مفصّلٌ ، بقوله : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ . . . ( الأعراف : 52 ، 53 ) ، فجعل التأويل الجائى للكتاب المفصّل . وقد بيّنا أنّ ذلك التأويل لا يعلمه وقتاً وقدراً ونوعاً وحقيقةً إلّا الله ، وإنّما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا . وكذلك قوله : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ( يونس : 39 ) والكناية عائدة على القرآن أو على ما لم يحيطوا بعلمه وهو يعود للقرآن .