السيد كمال الحيدري
285
أصول التفسير والتأويل
الرابع : لمّا كان القرآن مشتملًا على المحكم والمتشابه ، افتقروا إلى تعلّم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر تعلّم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أُصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة » « 1 » . علّق محمّد رشيد رضا على هذه الوجوه بقوله : « إنّه لم يأت بشئ نيّر ولم يحسن بيان ما قاله العلماء ، وأسخف هذه الوجوه وأشدّها تشوّهاً الثاني ، ولا أدرى كيف أجاز له عقله أن يقول أنّ القرآن جاء بالمتشابهات ليستميل أهل المذاهب إلى النظر فيه وأنّ هذا طريق إلى الحقّ ؟ أين كانت هذه المذاهب عند نزوله ؟ ومن اهتدى من أهلها بهذه الطريقة ؟ » من هنا حاول أن يبيّن الإجابات التي ذكرها الشيخ محمّد عبده عن هذا الاعتراض ؛ قال : « وهاك أيّها القارئ ما قاله الأُستاذ الإمام في بيان أجوبة العلماء ، وهى عنده ثلاثة : إنّ الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به ، فإنّه لو كان كلّ ما ورد في الكتاب معقولًا واضحاً لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء ، لما كان في الإيمان شئ من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله . جعل الله المتشابه في القرآن حافزاً لعقل المؤمن إلى النظر كي لا يضعف فيموت ، فإنّ السهل الجلىّ جدّاً لا عمل للعقل فيه . والدين أعزّ شئ على الإنسان فإذا لم يجد فيه مجالًا للبحث يموت فيه ، وإذا مات فيه لا يكون حيّاً بغيره ، فالعقل شئ واحد إذا قوى في شئ قوى في كلّ
--> ( 1 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، مصدر سابق : ج 7 ص 149 .