السيد كمال الحيدري

269

أصول التفسير والتأويل

والحقّ هو المعنى الثالث ، فإنّ معنى الأُمومة الذي يدلّ عليه قوله : هن أم الكتاب يتضمّن عناية زائدة أخصّ من معنى الأصل الذي فسّر به الأُمّ في القول الأوّل ، فإنّ في هذه اللفظة أعنى لفظة الأُمّ عناية بالرجوع الذي فيه إنشاء واشتقاق وتبعّض ، فلا تخلو اللفظة عن الدلالة على كون المتشابهات ذات مداليل ترجع وتتفرّع على المحكمات ، ولازمه كون المحكمات مبيّنة للمتشابهات » « 1 » . قال الرازي : « الأُم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشئ ، فلمّا كانت المحكمات مفهومة بذواتها والمتشابهات إنّما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، لا جرم صارت المحكمات كالأُمّ للمتشابهات . وقيل : إنّ ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب وهو أنّه قال : إنّ الباري القديم المكوّن للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أنّ الأب هو الذي حصل منه تكوين الابن ، ثمّ وقع في الترجمة ما أوهم الأُبوّة الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ( مريم : 35 ) محكماً لأنّ معناه متأكّد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله : ( عيسى روح الله وكلمته ) من المتشابهات التي يجب ردّها إلى ذلك المحكم » « 2 » . وقال ابن عاشور : « أُمّ الشئ أصله وما ينضمّ إليه كثيره وتتفرّع عنه فروعه . ومنه سمّيت خريطة الرأس الجامعة له أُمّ الرأس وهى الدماغ ، وسمّيت الراية الأُمّ لأنّ الجيش ينضوى إليها ، وسمّيت المدينة العظيمة أُمّ القرى ، وأصل ذلك أنّ الأُمّ حقيقة في الوالدة ، وهى أصل للمولود وجامع

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 3 ص 43 . ( 2 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، الرازي ، مصدر سابق : ج 7 ص 150 .