السيد كمال الحيدري

266

أصول التفسير والتأويل

وعليه فالمستفاد من الآية في معنى المتشابه ، أن تكون الآية مع حفظ كونها واضحة الدلالة لغة ومفهوماً ، إلّا أنّها مردّدة لا من جهة اللفظ بحيث تعالجه الطرق المألوفة عند أهل اللسان كإرجاع العام والمطلق إلى المخصّص والمقيّد ونحو ذلك ، بل من حيث المصداق الذي تنطبق عليه . فمثلًا قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى ( طه : 5 ) يشتبه المراد منه على السامع أوّل ما يسمعه ، فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى : ليس كمثله شئ ( الشورى : 11 ) استقرّ الذهن على أنّ المراد به التسلّط على الملك والإحاطة على الخلق دون التمكّن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسّم المستحيل على الله سبحانه . وكذا قوله تعالى : إلى ربها ناظرة ( القيامة : 23 ) إذا رجع إلى مثل قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ( الأنعام : 103 ) علم به أنّ المراد بالنظر غير النظر بالبصر الحسّى . « فهذا ما يتحصّل من معنى المحكم والمتشابه ويتلقّاه الفهم من مجموع قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فإنّ الآية محكمة بلا شكّ ولو فرض جميع القرآن غيرها متشابهاً . ولو كانت هذه الآية متشابهة عادت جميع آيات القرآن متشابهة وفسد التقسيم الذي يدلّ عليه قوله : منه آيات محكمات . . وبطل العلاج الذي يدلّ عليه قوله : هن أم الكتاب ولم يصدق قوله : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بشيرا ونذيرا ( فصّلت : 3 و 4 ) ولم يتمّ الاحتجاج الذي يشتمل عليه قوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على أنّ القرآن نور وهدى وتبيان وبيان ومبين وذكر ونحو ذلك » « 1 » .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 3 ص 21 .