السيد كمال الحيدري
249
أصول التفسير والتأويل
فقد نتج من التقسيم الذي ذكرناه أنّ اللفظ إمّا أن يكون نصّاً أو ظاهراً أو مؤوّلًا أو مشتركاً أو مجملًا . أمّا النصّ والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح إلّا أنّ النصّ راجح مانع من الغير ، والظاهر راجح غير مانع من الغير ، فهذا القدر المشترك هو المسمّى بالمحكم . وأمّا المجمل والمؤوّل فهما مشتركان في أنّ دلالة اللفظ عليهما غير راجحة ، فالمجمل وإن لم يكن راجحاً لكنّه غير مرجوح ، والمؤوّل مع أنّه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد ، فهذا المشترك هو المسمّى بالمتشابه ، لأنّ عدم الفهم حاصل في القسمين جميعاً ، وقد بيّنا أنّ ذلك يسمّى متشابهاً ، إمّا لأنّ الذي لا يُعلم يكون النفي فيه مشابهاً للإثبات في الذهن ، وإمّا لأجل أنّ الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقاً لاسم السبب على المسبّب . فهذا هو الكلام المحصّل في المحكم والمتشابه . والحاصل : إنّ المحكم هو المبين ، والمتشابه هو المجمل . وفيه : إنّ ما بُيّن من أوصاف المحكم والمتشابه في الآية لا ينطبق على المجمل والمبين . بيان ذلك : إنّ إجمال اللفظ هو كونه بحيث يختلط ويندمج بعض جهات معناه ببعض فلا تنفصل الجهة المرادة عن غيرها ، ويوجب ذلك تحيّر المخاطب أو السامع في تشخيص المراد ، وقد جرى دأب أهل اللسان في ظرف التفاهم أن لا يتّبعوا ما هذا شأنه من الألفاظ ، بل يستريحون إلى لفظ آخر مبين يبيّن هذا المجمل فيصير بذلك مبيّناً فيتّبع ، فهذا حال المجمل مع مبيّنه ، فلو كان المحكم والمتشابه هما المجمل والمبين بعينهما كان المتّبع هو المتشابه إذا ردّ إلى المحكم دون المحكم نفسه ، وكان هذا الاتّباع ممّا لا يجوّزه قريحة التكلّم والتفاهم فلم يقدم على مثله أهل اللسان ، سواء في ذلك أهل الزيغ منهم والراسخون في العلم ، ولم يكن اتّباع المتشابه أمراً يلحقه الذمّ ويوجب زيغ القلب .