السيد كمال الحيدري

164

أصول التفسير والتأويل

أبداً ، وليس هو إلّا الله سبحانه ، لأنّ غيره تعالى سواء كان إنساناً أو ملكاً أو أىّ مخلوق آخر ، قرين النقص والاختلاف ، فلا يمكن أن يصدر منه ما ليس فيه اختلاف ، وإنّ الكمال مهما بلغ من الشأن في المخلوق فهو محدود ، والقرآن بعجائبه وغرائبه غير محدود ، فهو المعجزة الخالدة ، لذا عبّر عنه سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله بقوله : « لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه » . الثالثة : مضافاً إلى ما ثبت من أنّ القرآن كتاب لا يأتيه الباطل وأنّه لم يقع فيه الاختلاف ، هناك خصوصية ثالثة وهى أنّ آياته متشابهة ، والتشابه هو توافق أشياء مختلفة واتّحادها في بعض الأوصاف والكيفيات ، وقد وصف الله سبحانه جميع القرآن بهذا الوصف حيث قال : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ( الزمر : 23 ) والمراد كون آيات الكتاب ذات نسق واحد من حيث جزالة النظم ، وإتقان الأسلوب ، وبيان الحقائق والحكم ، والهداية إلى صريح الحقّ ، كما تدلّ عليه القيود المأخوذة في الآية . وهذا غير التشابه الذي في المتشابه المقابل للمحكم ، فإنّه صفة بعض آيات الكتاب وهذا صفة للجميع . وقوله : « مثاني » جمع مثنية بمعنى المعطوف ؛ لانعطاف بعض آياته على بعض ورجوعه إليه بتبيين بعضها وتفسير بعضها لبعض من غير اختلاف فيها بحيث يدفع بعضه بعضاً ويناقضه . قال الرازي في ذيل هذه الآية : « إنّ كلّ ما فيه من الآيات والبيانات فإنّه يقوّى بعضها بعضاً ويؤكّد بعضها بعضاً » « 1 » . ممّا تقدّم اتّضح أنّ القرآن كتاب :

--> ( 1 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، مصدر سابق : ج 26 ص 236 .