السيد كمال الحيدري
138
أصول التفسير والتأويل
أمّا لو فرض أنّ شخصاً ألّف كتاباً بقصد هداية البشر وتوجيههم إلى طريق الحقّ وصنع الإنسان الصالح المؤمن السعيد في دنياه وآخرته ، فعندئذ يقاس مقدار نجاح هذا الكاتب وكماله بمقدار حصول هذا الغرض وإحاطته بالجهات الدخيلة فيه . والقرآن بالغ في ذلك حدّ الإعجاز وقد تحدّى الناس بذلك حتّى يومنا هذا ، وهذا يقتضى عكس ما ادّعى في المقام ، فإنّ هذا الغرض لا يحصل ببيان الألغاز العلمية والرموز الفنّية البعيدة عن فهم الناس ، لأنّ هذه لا تخلق الناس الصالحين بل لابدّ من ذكر تمام المؤثّرات الدخيلة في تغيير الإنسان روحيّاً وخلقياً وفكرياً وعاطفياً وسائر النواحي الإنسانية ، ولابدّ أن تكون المعاني واضحة وميسّرة وملتقية مع عواطف الناس ومشاعرهم وأحاسيسهم ، وقادرة على النفوذ إلى قلوب الناس كي تغيّر هذه القلوب وتخرجها من الظلمات إلى النور ، وهكذا كان الكتاب الكريم ولذا كان المشركون يهتدون بسماع بضع آيات كانت تنفذ في قلوبهم وتنير بالإيمان عقولهم . ثانياً : لأنّنا لا نتصوّر إعجازاً يؤدّى إلى هذا الغموض والإجمال في باب الأحكام الشرعية التي مرجعها إلى أنّ هذا حلال وهذا حرام ، لأنّ الوجوب والحلّ والحرمة أُمور مفهومة لدى الناس ، والإعجاز المتصوّر في الأحكام إنّما هو إعجاز بلحاظ ملاكات الأحكام الشرعية والمصالح والمفاسد التي يستند إليها الحكم الشرعي ، ومن الواضح أنّ الإعجاز بلحاظ الملاكات لا دخل له بفهم نفس الأحكام الشرعية المبيّنة في القرآن الكريم » « 1 » .
--> ( 1 ) مباحث الأصول ، تقريراً لأبحاث سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيّد محمّد باقر الصدر ، تأليف السيّد كاظم الحائري ، الطبعة الأولى : 1408 ه : ج 2 ص 242 .