السيد كمال الحيدري

137

أصول التفسير والتأويل

بإتيان سورة من مثله في مقام الاحتجاج ، وتعجيزهم عن ذلك كما يدلّ عليه الكتاب نفسه ؛ ضرورة توقّف إحراز إعجازه وكذا إحراز عجزهم عن إتيان سورة من مثله على فهم معانيه كما كانوا كذلك ، فإنّهم مع فهمهم معانيه كانوا عاجزين عن الإتيان بسورة من مثله ، ومن هنا كان يصدّقه المؤمنون ويرميه بالسحر المعاندون ، ولبطل كونه نوراً يستضىء به الناس وهدى وموعظة للمتّقين ، كما وقع التعبير عنه في آيات القرآن والرواية المأثورة . والحاصل : إنّه لا يُتصوّر أنّ حكيماً يأتي بكتاب ليهدى به الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويغيّر من طرائق سلوكهم وحياتهم ، ثمّ يتعمّد أن يلغز فيه ويجعله بحيث لا يفهمه الناس ، مع أنّه يريد أن يثبت به حقّانية المرسل والمرسَل به ورسالته ، فإنّ أهمّ معجزة للنبي صلى الله عليه وآله إنّما هو القرآن الكريم ، فإذا فرض الإجمال والإبهام والإلغاز فيه فكيف يتوصّل بذلك إلى كلّ هذه النتائج ؟ أمّا الثاني فغير تامّ أيضاً ؛ وذلك : أوّلًا : لأنّ الكتاب تلحظ في مقام حصوله على أعلى درجات الكمال نكتة الغرض من ذلك الكتاب ومدى نجاحه في تحقيق الغرض . فإذا كتب شخص كتاباً في الهندسة مثلًا ، فغرضه اكتشاف قوانين مطلقة لعالم الكون المادّى ، فكلّما كان الكاتب أكثر دقّة وعمقاً في اكتشاف تلك القوانين وأكثر قدرة على البرهنة عليها ودفع الشبهات عنها يكون أحسن وأكمل ، وهذا ما يبعّده عن فهم الناس العاديين . ولو فرض أنّه تعالى أنزل كتاباً بهذا الغرض للزم أن تكون دقّته فوق دقّة كتاب هندسة إقليدس أو أىّ كتاب هندسىّ آخر بما لا يتناهى من المراتب .