السيد كمال الحيدري
118
أصول التفسير والتأويل
ومن أعمّ الآيات تحدّياً قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
--> الإتيان بمثلها ، لا على كونها نازلة من عند الله موحاة بعلمه ، فمن الجائز أن يكون كسائر الصفات والأعمال الإنسانية التي من الممكن في كلّ منها أن يتفرّد به فرد من بين أفراد النوع اتّفاقاً ؛ لتصادف أسباب موجبة لذلك كفرد من الإنسان موصوف بأنّه أطول الأفراد أو أكبرهم جثّة أو أشجعهم أو أسخاهم أو أجبنهم أو أبخلهم . وهذا الاحتمال وإن كان مدفوعاً عن السورة الواحدة من القرآن أيضاً التي يقصدها الخصم بالمعارضة ، فإنّها كلام بليغ مشتمل على معان حقّة ذات صفات كريمة خالية عن مادّة الكذب ، وما هذا شأنه لا يقع عن مجرّد الاتّفاق والصدفة من غير أن يكون مقصوداً في نفسه ذا غرض يتعلّق به الإرادة . إلّا أنّه أعنى ما مرّ من احتمال الاتّفاق والصدفة عن السور المتعدّدة أبعد ، لأنّ إثبات السورة بعد السورة وبيان الغرض بعد الغرض والكشف عن خبىء بعد خبىء ، لا يدع مجالًا لاحتمال الاتّفاق والصدفة ، وهو ظاهر . إذا تبيّن ما ذكرنا ظهر أنّ من الجائز أن يكون التحدّى بمثل قوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( الإسراء : 88 ) وارداً مورد التحدّى بجميع القرآن ؛ لما جمع فيه من الأغراض الإلهية ، ويختصّ بأنّه جامع لعامّة ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة . وقوله قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ لما فيها من الخاصّة الظاهرة وهى أنّ فيها بيان غرض تامّ جامع من أغراض الهدى الإلهى بياناً فصلًا من غير هزل ، وقوله فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَر تحدّياً بعشر من السور القرآنية لما في ذلك من التفنّن في البيان والتنوّع في الأغراض من جهة الكثرة ، والعشرة من ألفاظ الكثرة كالمئة والألف ؛ قال تعالى : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ( البقرة : 96 ) . فالمراد بعشر سور والله أعلم السور الكثيرة الحائزة لبعض مراتب الكثرة المعروفة بين الناس ، فكأنّه قيل : فأتوا بعدّة من سوره ولتكن عشراً ليظهر به أنّ تنوّع الأغراض القرآنية في بيانه المعجز ليس إلّا من قبل الله . وأمّا قوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ فكأنّه تحدٍّ بما يعمّ التحدّيات الثلاثة السابقة ، فإنّ الحديث يعمّ السورة والعشر والقرآن كلّه ، فهو تحدّ بمطلق الخاصّة القرآنية ، وهو ظاهر » ( الميزان في تفسير القرآن : ج 10 ص 166 ) .