السيد كمال الحيدري

117

أصول التفسير والتأويل

--> المعنى المتّصف بهذه الصفات هو شئ من المقاصد الإلهية التي تجرى على الحقّ الذي لا يخالطه باطل ، وتقع في صراط الهداية ، ويكون الكلام المشتمل على معنىً هذا نعته وغرض هذا شأنه ، هو الذي تتعلّق العناية الإلهية بتنزيله وجعله رحمة للمؤمنين وذكراً للعالمين . وهذا هو الذي يصحّ أن يتحدّى به بمثل قوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ فإنّا لا نسمّى الكلام حديثاً إلّا إذا اشتمل على غرض هامّ يتحدّث به فينقل من ضمير إلى ضمير ، وكذا قوله فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ فإنّ الله لا يسمّى جماعة من آيات كتابه وإن كانت ذات عدد سورة ، إلّا إذا اشتملت على غرض إلهي تتميّز به عن غيرها . ولولا ذلك لم يتمّ التحدّى بالآيات القرآنية ، وكان للخصم أن يختار من مفردات الآيات عدداً ذا كثرة كقوله تعالى : والضحى ووالعصر ووالطور وفى كتاب مكنون ومدهامّتان والحاقة ما الحاقّة ووما أدراك ما الحاقّة والرحمن وملك الناس وإله الناس ووخسف القمر وكلّا والقمر وسندع الزبانية إلى غير ذلك من مفردات الآيات ، ثمّ يقابل كلًا منها بما يناظرها من الكلام العربي من غير أن يضمن ارتباط بعضها ببعض واشتمالها على غرض يجمعها ويخرجها في صورة الوحدة . فالذي كلّف به الخصم في هذه التحدّيات هو أن يأتي بكلام يماثل القرآن ، مضافاً إلى بلاغة لفظه في بيان بعض المقاصد الإلهية المشتملة على أغراض منعوتة بالنعوت التي ذكرها الله سبحانه . والكلام الإلهى مع ما تحدّى به في آيات التحدّى يختلف بحسب ما يظهر من خاصّته . فمجموع القرآن الكريم يختصّ بأنّه كتاب فيه ما يحتاج إليه نوع الإنسان إلى يوم القيامة من معارف أصلية وأخلاق كريمة وأحكام فرعية ، والسورة من القرآن تختصّ ببيان جامع لغرض من الأغراض الإلهية المتعلّقة بالهدى ودين الحقّ على بلاغتها الخارقة ، وهذه خاصّة غير الخاصّة التي يختصّ بها مجموع القرآن الكريم ، والعدّة من السور كالعشر والعشرين منها تختصّ بخاصّة أخرى وهى بيان فنون من المقاصد والأغراض والتنوّع فيها ، فإنّها أبعد من احتمال الاتّفاق ، فإنّ الخصم إذا عجز عن الإتيان بسورة واحدة كان من الممكن أن يختلج في باله أنّ عجزه عن الإتيان بها إنّما يدلّ على عجز الناس عن