أحمد بن عبد الرزاق الدويش

11

فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

تبديل ، ولا لبس في معانيها ، ولا تناقض في مقاصدها ولا اضطراب ، بل بعضها يصدق بعضا ويبين مغزاه ، وقد تتنوع معاني بعض القراءات فيفيد كل منها حكما يحقق مقصدا من مقاصد الشرع ، ومصلحة من مصالح العباد ، مع اتساق معانيها وائتلاف مراميها وانتظامها في وحدة تشريع محكمة كاملة ، لا تعارض بينها ولا تضارب فيها . فمن ذلك : ما ورد من القراءات في الآية التي ذكرها السائل ، وهي قوله تعالى : { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا } ( 1 ) فقد قرئ ( ونخرج ) بضم النون وكسر الراء ، وقرئ ( يلقاه ) بفتح الياء والقاف مخففة ، والمعنى : ونحن نخرج للإنسان يوم القيامة كتابا هو صحيفة عمله يصل إليه حال كونه مفتوحا ، فيأخذه بيمينه إن كان سعيدا وبشماله إن كان شقيا ، وقرئ { يَلْقَاهُ مَنْشُورًا } ( 2 ) بضم الياء وتشديد القاف ، والمعنى : ونحن نخرج للإنسان يوم القيامة كتابا هو صحيفة عمله ، يعطى الإنسان ذلك الكتاب حال كونه مفتوحا ، فمعنى كل من القراءتين يتفق في النهاية مع الآخر ، فإن من يلقى إليه الكتاب فقد وصل إليه ، ومن وصل إليه الكتاب فقد ألقي إليه . ومن ذلك قوله تعالى : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } ( 3 ) قرئ ( يكذبون ) بفتح الياء وسكون الكاف وكسر الذال ، بمعنى : يخبرون بالأخبار الكاذبة عن الله والمؤمنين ، وقد قرئ ( يكذبون ) بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الذال المكسورة ، بمعنى : يكذبون الرسل فيما جاءوا به من عند الله من الوحي ، فمعنى كل من القراءتين لا يعارض الآخر ولا يناقضه ، بل كل منهما ذكر وصفا من أوصاف المنافقين ، وصفتهم الأولى بالكذب في الخبر عن الله ورسله وعن الناس ، ووصفتهم الثانية بتكذيبهم رسل الله فيما أوحي إليهم من التشريع ، وكل حق ؛ فإن المنافقين جمعوا بين الكذب والتكذيب . ومن ذلك يتبين أن تعدد القراءات كان بوحي من الله ، لحكمة لا عن تحريف

--> ( 1 ) سورة الإسراء الآية 13 ( 2 ) سورة الإسراء الآية 13 ( 3 ) سورة البقرة الآية 10