الشيخ علي الكوراني العاملي
4
جواهر التاريخ ( دراسة لشخصية أبي سفيان ومعاوية )
رسالةً وينشئ أمةً ودولة ، ويوجد مداً حضارياً متحفزاً ، في سنين قليلة وكلفة قليلة ، حيث لم يتجاوز قتلى كل حروبه من الطرفين ست مئة شخص ! وإذا كان مقياسنا بعده ( صلى الله عليه وآله ) سعة التأثير بقطع النظر عن صحته وعمقه ، فإن الشخصية الأكثر تأثيراً بعده هو عمر بن الخطاب ، الذي سلمته قريش الطلقاء قيادتها ، فأبعد عترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن الحكم ، وهَنْدَسَ لمسار الخلافة ، وجعلها دُولةً بين قبائل قريش ، بقانون الغلبة والسيطرة ! ثم يأتي بعده دور أبي سفيان ومعاوية ، اللَّذيْن أخذا الخلافة من القبائل الصغيرة الضعيفة ، قبيلة أبي بكر وعمر ، وأعاداها إلى ( معدنها ) بزعمهما بني أمية ! فقد كان أبو سفيان يرى بمنطقه القبلي أن خلافة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد وفاته حقٌّ شرعيٌّ لبني هاشم ، بقطع النظر عن نزاعهم مع أبناء عمومتهم بني أمية ، الذين يشتركون معهم في جدهم عبد مناف ، فلا يجوز برأيه أن تخرج خلافة محمد ( صلى الله عليه وآله ) عن بني عبد مناف إلى أرذل حيين في قريش : ( بني تيْمٍ وعديّ ) ! لذلك وقف ضد بيعة أبي بكر وعمر ، غاضباً منادياً : ( ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ ! والله لئن شئتَ لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً . . . والله إني لأرى عجاجة لا يطفؤها إلا دم ! يا آل عبد مناف فيمَ أبو بكر من أموركم ؟ ! أين المستضعفان ، أين الأذلان عليٌّ والعباس ؟ ! وقال : يا أبا حسن ، أبسط يدك حتى أبايعك ، فأبى عليٌّ عليه ، فجعل يتمثل بشعر المتلمس : ولن يقيم على خسف يراد به * إلا الأذلان عيرُ الحيِّ والوتدُ هذا على الخسف معكوسٌ برمته * وذا يُشَجُّ فلا يبكي له أحدُ قال فزجره عليٌّ وقال : إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شراً ، لا حاجة لنا في نصيحتك ) . ( تاريخ الطبري : 2 / 449 ، وغيره ) .