الشيخ علي الكوراني العاملي

266

جواهر التاريخ ( دراسة لشخصية أبي سفيان ومعاوية )

وهل هذا الموقف العنيف الطويل الأمد من صحابي جليل كعبادة بن الصامت ، كان بسبب تخطئة معاوية له في نقل حديث نبوي ؟ ! فلماذا لم يطلب معاوية منه شاهداً على روايته كما هي عادة أي مسلم يشك في نقل حديث نبوي ؟ ! أنظر إلى ما قاله ابن عبد البر ، وتبناه الزرقاني : 3 / 357 ، والسيوطي في تنوير الحوالك / 490 ، وغيرهما : ( أنِفَ من رد السنة بالرأي ، وصدور العلماء تضيق عن مثل هذا وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأي ) . وأضاف في التمهيد : 4 / 87 : ( وغير نكير أن يجهل معاوية ما قد علم أبو الدرداء وعبادة فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم ) . إنهم يؤكدون بذلك على أن خطأ معاوية كان فقط في عدم قبوله لرواية عبادة بن الصامت وأبي الدرداء ، وأن هذين الصحابيين لا يفهمان ولا يعقلان ! وعلى هذا المنوال ما تقرؤه في : اختلاف الحديث للشافعي / 480 ، ومسند الشافعي / 242 ، وسنن البيهقي : 5 / 280 ، والآحاد والمثاني للضحاك : 3 / 430 ، ومسند الشاميين للطبراني : 1 / 218 ، والمحصول للرازي : 4 / 375 ، والإحكام للآمدي : 2 / 66 ) ! ! لقد غطى هؤلاء جميعاً على معاوية ! وكان ضحيتهم كبار الصحابة الذين وقفوا في وجهه ، خاصة عبادة بن الصامت الصحابي المجمع على جلالته ووثاقته فهو أحد نقباء الأنصار في بيعة العقبة ، وأحد قادة فتوحات العراق والشام ! وقد رفع راية العداء لمعاوية وبني أمية بسبب ما رأى منهم وما سمع من النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيهم ، وآلى على نفسه عندما ردَّ معاوية سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن لا يساكنه في بلد ! ولم تنحل مشكلته معه في عهد عمر ، ولا عهد عثمان ، بل عزله عثمان عن قضاء فلسطين إكراماً لمعاوية ! وعاد إلى المدينة فتضامن معه كبار الصحابة من الأنصار والمهاجرين ! وصمد على موقفه حتى صار معاوية ( خليفة ) ودخل المدينة فأمر معاوية بالقبض عليه ، فأخذوه وهو غير مكترث ينفخ استهزاء بمعاوية ويقول : ( ولأنت يا معاوية أصغر في عيني من أن أخافك في الله عز وجل ) ! ( تاريخ دمشق : 26 / 200 ) !