الشيخ علي الكوراني العاملي

172

جواهر التاريخ ( دراسة لشخصية أبي سفيان ومعاوية )

يقصد بالتفقه في الدين طاعته هو ، ويزعم أنه كالنبي ( صلى الله عليه وآله ) تحركه إرادة إلهية في تقسيم المال وإعطائه ومنعه ، فلا يجوز الاعتراض عليه ! ويزعم أن الفئة الثابتة على أمر الله هم أتباعه ، وأن من خالفه هم الفئة الباغية الضالة ! وسيأتي ذلك . وربما كان أصل القضية أن معاوية سمع أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : ( إنما أنا خازن الله تعالى ، والله يعطي وأنا أقسم ، فمن أخذ مني شيئاً بطيب النفس بورك له فيه ، ومن أخذ مني شيئاً وأنا له كاره فإنما يتأبطها ناراً ) . ( نوادر الأصول للترمذي : 3 / 76 ) فخطب معاوية في أهل الشام ووصف بيت المال بأنه مال الله تعالى وأنه هو خازن الله عليه ، فعندما يعطي ويمنع فالذي يعطي ويمنع هو الله تعالى ! فالواجب على المسلمين أن يقبلوا ولا يلوموه على عطائه ومنعه ! ! وهو كلام ظاهره الإيمان وباطنه الكفر ، لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) معصوم من ربه لا ينطق عن الهوى ولا يفعل عن الهوى . أما معاوية فكله هوى من رأسه إلى قدمه ! إن جبرية معاوية كلها تبدأ من هنا ! فقد كان همه كزعيم أموي أن يعطي نفسه صفات محمد بن عبد الله الهاشمي ( صلى الله عليه وآله ) ! وأن يكون خليفة الله المفروض الطاعة على العباد ، في مقابل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المفروض الطاعة من ربه ! وتجد جذور هذه الظاهرة في دفاعات عثمان ومن حوله عن تبذير بيت مال المسلمين ، فكان الخليفة يقيس نفسه بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) ! بل تجدها قبل عثمان في تبرير تصرفات عمر وأبي بكر ! لكن معاوية تبناها بقوة ، وجعل ( خلافته ) قائمة عليها ونسب تصرفاته إلى الله تعالى ! ونشر ذلك بين المسلمين كعقيدة دينية ! معاوية يدعي أنه معصوم حتى في سفك الدماء وقتل الأطفال ! قال الثقفي في الغارات : 2 / 639 ، يصف غارة معاوية على الحجاز واليمن : ( فقدم على معاوية ( قائده بسر بن أرطاة ) فقال : يا أمير المؤمنين أحمد الله ، فإني سرت في