الشيخ علي الكوراني العاملي
424
ألف سؤال وإشكال
في عصمة الأنبياء عليهم السلام ، وهو حديث طويل جاء فيه : ( فقال المأمون : لله درك يا أبا الحسن ، فأخبرني قول الله عز وجل : لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قال الرضا عليه السلام : لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول الله صلى الله عليه وآله لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاث مأة وستين صنماً ، فلما جاءهم صلى الله عليه وآله بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبُرَ ذلك عليهم وعَظُم ، وقالوا : أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلهاً واحداً أن هَذَا لَشَئٌ عُجَابٌ . وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أن امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ أن هَذَا لَشَئٌ يُرَادُ . مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخرة أن هَذَا إلا اخْتِلاقٌ . فلما فتح الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وآله مكة قال له يا محمد : إنا فَتَحْنَا لَكَ ( مكة ) فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ، عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدم . وَمَا تَأَخَّرَ ، لأن مشركي مكة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه ، فصار ذنبه عندهم ذلك مغفوراً بظهوره عليهم . فقال المأمون : لله درك أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عز وجل : عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ؟ قال الرضا عليه السلام : هذا مما نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله عز وجل بذلك نبيه وأراد به أمته . وكذلك قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، وقوله عز وجل : وَلَوْلا أن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شيئاً قليلاً ) . وصدق الإمام الرضا عليه السلام ، فالمتأمل في الآية وسياقها لا يجد ذنباً أو خطأ للنبي صلى الله عليه وآله ليكون فيه عتبٌ عليه ، لأن مصبَّ الحديث عن نفاق المنافقين وتخلفهم وكذبهم . وقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله : عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ، هو في الواقع خطابٌ لهم بأن الله كاشفهم ، وتوجيهٌ للمسلمين لأن يكشفوهم ولا يغترُّوا بهم ،