الشيخ علي الكوراني العاملي

115

جواهر التاريخ ( سيرة الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق ع )

يعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق وانصرفنا إلى المدينة ، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه ، فأشخصنا إليه فلما وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيام ثم أذن لنا في اليوم الرابع ، فإذا هو قد قعد على سرير الملك وجنده وخاصته وقوف على أرجلهم سماطين متسلحين ، وقد نصب البرجاس ( هدف الرمي ) حذاءه وأشياخ قومه يرمون . فلما دخل أبي وأنا خلفه ، ما زال يستدنينا منه حتى حاذيناه وجلسنا قليلاً فقال لأبي : يا أبا جعفر لو رميت مع أشياخ قومك الغرض ؟ وإنما أراد أن يضحك بأبي ظناً منه أنه يقصر فلا يصيب الغرض لكبر سنه فيشتفي منه ! فاعتذر أبي وقال : إني قد كبرت فإن رأيتَ أن تعفيني ، فلم يقبل وقال : لا والذي أعزنا بدينه ونبيه ، ثم أومأ إلى شيخ من بني أمية أن أعطه قوسك ، فتناولها منه أبي وتناول منه الكنانة فوضع سهماً في كبد القوس فرمى وسط الغرض فأثبته فيه ثم رمى الثاني فشق فوق السهم الأول إلى نصله ، ثم تابع حتى شق تسعة أسهم ، فصار بعضها في جوف بعض ، وهشام يضطرب في مجلسه ، فلم يتمالك أن قال : أجدت يا أبا جعفر فأنت أرمى العرب والعجم ! زعمت أنك قد كبرت ، كلا ! ثم ندم على مقالته وتكنيته له ، وكان من تكبره لا يكني أحداً في خلافته ! فأطرق إطراقة يرتئي فيه رأياً ، وأبي واقف إزاءه ومواجهة له وأنا وراء أبي ، فلما طال الوقوف غضب أبي وكان إذا نظر السماء نظر غضبان يتبين الغضب في وجهه ! فلما نظر هشام ذلك من أبي قال : إصعد يا محمد فصعد أبي السرير وصعدت ، فلما دنا من هشام قام إليه واعتنقه وأقعده عن يمينه ، ثم اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي ، وأقبل على أبي بوجهه وقال : يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك ولله درك ، من علمك هذا الرمي وفي كم تعلمته ؟ ! فقال أبي : قد علمتَ أن أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته ، فلما أراد أمير