ابن عربي

331

الفتوحات المكية

في دعواه ففكرت فيه إلى أن ثبت صدقه عندها فآمنت به فعرفها أن ذلك الموجد الذي أوجدها كان قد قبض عليها وأشهدها على نفسها بربوبيته وإنها شهدت له بذلك فقالت ما عندي من ذلك خبر ولكن من الآن أقوم بواجب ذلك الإقرار فإنك صادق في خبرك ولكن ما أدري ما يرضيه من فعلي فلو حددت حدودا ورسمت لي مراسم أقف عندها حتى تعلم أني ممن وفي بشكره على ما أنعم به علي فرسم لها ما شرع فقامت بذلك شكرا وإن خالف غرضها ولم تفعل ذلك خوفا ولا طمعا لأنه لما رسم لها ما رسم ابتداء وعرفها أن وقوفها عند تلك المراسم يرضيه وما ذكر لها ما لها في ذلك من الثواب وما عليها إن خالفت من العقاب فبادرت هذه النفس الزكية لمراضيه في ذلك فقالت لا إله إلا الله كما قيل لها ثم بعد ذلك عرفها بما لها في ذلك من الثواب الجزيل والإنعام التام وما لمن خالف شرعه من العقاب فانضاف إلى عبادتها إياه حبا ورضي خاصة عبادة أخرى تطلبها رغبة في الثواب ورهبة من العقاب فجمعت في عبادتها بين أمرين بين عبادة له وعبادة رغبة ورهبة فأحبته له ولنفسها من حيث ما هي كثيرة بطبيعتها وروحانيتها فتعلقت الرغبة والرهبة من حيث طبيعتها وتعلقت عبادتها إياه محبة له من روحانيتها فإن أحبت شيئا من الموجودات سواه فإنما تحبه من روحانيتها له ومن طبيعتها النيل غرضها فلما رآها الحق على ذلك وقد علم أن من حقيقتها الانقسام وقد جمعت بين الحبين وهو قد وصف نفسه بالغيرة فلم يرد المشاركة وأراد أن يستخلصها لنفسه فلا تحب سواه فتجلى لها في صورة طبيعية وأعطاها علامة لا تقدر على إنكارها في نفسها وهي المعبر عنها بالعلم الضروري فعلمت أنه هو هذه الصورة فمالت إليه روحا وطبعا فلما ملكها وعلم أن الأسباب لا بد أن تؤثر فيها من حيث طبيعتها أعطاها علامة تعرفه بها ثم تجلى لها بتلك العلامة في جميع الأسباب كلها فعرفته فأحبت الأسباب من أجله لا من أجلها فصارت بكلها له لا لطبيعتها ولا لسبب غيره فنظرته في كل شئ فزهت وسرت ورأت أنها قد فضلت غيرها من النفوس بهذه الحقيقة فتجلى لها في عين ذاتها الطبيعية والروحانية بتلك العلامة فرأت أنها ما رأته إلا به لا بنفسها وما أحبته إلا به لا بنفسها فهو الذي أحب نفسه ما هي أحبته ونظرت إليه في كل موجود بتلك العين عينها فعلمت أنه ما أحبه غيره فهو المحب والمحبوب والطالب والمطلوب وتبين لها بهذا كله أن حبها إياه له ولنفسها فما شاهدته في هذه المرتبة الأخرى من حبها إياه إنما كان به لا بها ولا بالمجموع وما ثم أمر زائد إلا العدم فأرادت أن تعرف ما قدر ذلك الحب وما غايته فوقفت على قوله كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف وقد عرفته لما تجلى لها في صورة طبيعية فعلمت أنه يستحق من تلك الصورة التي ظهر لها فيها اسم الظاهر والباطن فعلمت أن الحب الذي أحب به أن يعرف إنما هو في الباطن المنسوب إليه وعلمت أن المحب من شأنه إذا قام بالصورة أن يتنفس لما في ذلك التنفس من لذة المطلوب فخرج ذلك النفس عن أصل محبة في الخلق الذي يريد التعرف إليهم ليعرفوه فكان العماء المسمى بالحق المخلوق به فكان ذلك العماء جوهر العالم فقبل صور العالم وأرواحه وطبائعه كلها وهو قابل إلى ما لا يتناهى فهذا بدء حبه إيانا وأما حبنا إياه فبدؤه السماع لا الرؤية وهو قوله لنا ونحن في جوهر العماء كن فالعماء من تنفسه والصور المعبر عنها بالعالم من كلمة كن فنحن كلماته التي لا تنفد قال تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وهي عيسى وروح منه وهو النفس وتلك الحقيقة سارية في الحيوان فإذا أراد الله أمانته أزال عنه النفس فبالنفس كانت حياته وسيأتي في باب النفس صور التكوينات عنه في العالم فلما سمعنا كلامه ونحن ثابتون في جوهر العماء لم نتمكن أن نتوقف عن الوجود فكنا صورا في جوهر العماء فأعطينا بظهورنا في العماء الوجود للعماء بعد ما كان معقولي الوجود حصل له الوجود العيني فهذا كان سبب بدء حبنا إياه ولهذا نتحرك ونطيب عند سماع النغمات لأجل كلمة كن الصادرة من الصورة الإلهية غيبا وشهادة فشهادة صورة كلمة كن اثنان كاف ونون وهكذا عالم الشهادة له وجهان ظاهر وباطن فظاهره النون وباطنه الكاف ولهذا مخرج الكاف في الإنسان أدخل لعالم الغيب فإنه من آخر حروف الحلق بين الحلق واللسان والنون من حروف اللسان وغيب هذه الكلمة هو الواو بين الكاف والنون وهي من حروف الشفتين فلها الظهور وهي حرف علة لا حرف صحيح ولهذا وجد عنه التكوين لأنه حرف علة ولما كان من حروف الشفتين بامتداد النفس من خارج الشفتين إلى ظاهر الكون لهذا