ابن عربي

332

الفتوحات المكية

كان ظهور الحكم في الجسم للروح فظهرت منه الأفعال والحركات من أجل روحه وكان روحه غيبا لأن الواو لا وجود لها في الشهادة لأنها حذفت لسكونها وسكون النون فهي تعمل من خلف الحجاب فهي غائبة العين ظاهرة الحكم فغاية حبنا إياه أن نعلم حقيقة ما حبنا هل هو صفة نفسية للمحب أو معنوية فيه أو نسبة بين المحب والمحبوب وهي العلاقة التي تجذب المحب لطلب الوصلة بالمحبوب فقلنا هي صفة نفسية للمحب فإن قيل نراها تزول قلنا من المحال زوالها إلا بزوال المحب من الوجود والمحب لا يزول من الوجود فالمحبة لا تزول وإنما الذي يعقل زواله إنما هو تعلقه بمحبوب خاص يمكن أن يزول ذلك التعلق الخاص وتزول تلك العلاقة بذلك المحبوب المعين وتتعلق بمحبوب آخر وهي متعلقة بمحبوبين كثيرين فتنقطع العلاقة بين المحب ومحبوب خاص وهي موجودة في نفسها فإنها عين المحب فمن المحال زوالها فالحب هو نفس المحب وعينه لا صفة معنى فيه يمكن أن ترتفع فيرتفع حكمها فالعلاقة هي النسبة بين المحب والمحبوب والحب هو عين المحب لا غيره فصف بالحب من شئت من حادث وغيره فليس الحب سوى عين المحب فما في الوجود إلا محب ومحبوب لكن من شأن المحبوب أن يكون معدوما ولا بد فيجب إيجاد ذلك المعدوم أو وقوعه في موجود ولا بد لا في معدوم هذا أمر محقق لا بد منه فالعلاقة التي في المحب إنما هي في ذلك الموجود الذي يقبل وجود ذلك المحبوب أو وقوعه لا وجوده إذا كان المحبوب لا يمكن أن يتصف بالوجود ولكن يتصف بالوقوع مثال ذلك أن يحب إنسان إعدام أمر موجود لما في وجوده من الضرر في حقه كالألم فإنه أمر وجودي في المتألم فيحب إعدامه فمحبوبه الإعدام وهو غير واقع فإذا زال الألم فأزالته عدمه بعد وجوده بانتقاله إلى العدم فلهذا قلنا في مثل هذا بالوقوع لا بالوجود فالمحبوب معدوم أبدا ولا تصح محبة الموجود جملة واحدة إلا من حيث العلاقة إذ لا تتعلق إلا بموجود يظهر فيه وجود ذلك المحبوب المعدوم وقد بيناه قبل هذا في هذا الباب فقد تبين لك في هذه التكملة ماهية الحب وبدؤه وغايته وبما أحب المحب وحبه لمحبوبه أو لنفسه كل ذلك قد تبين فلنعدل إلى الكلام في الوصل الثاني إن شاء الله تعالى فقد حصل في الحب الإلهي ما فيه غنية على قدر الوقت انتهى الجزء الثاني عشر ومائة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( الوصل الثاني ) في الحب الروحاني وهو الحب الجامع في المحب أن يحب محبوبه لمحبوبه ولنفسه إذ كان الحب الطبيعي لا يحب المحبوب إلا لأجل نفسه فاعلم أن الحب الروحاني إذا كان المحب موصوفا بالعقل والعلم كان بعقله حكيما وبحكمته عليما فرتب الأمور ترتيب الحكمة ولم يتعد بها منازلها فعلم إذا أحب ما هو الحب وما معنى المحب وما حقيقة المحبوب وما يريد من المحبوب وهل لمحبوبه إرادة واختيار فيحب ما يحب المحبوب أم لا إرادة له فلا يحب إلا لنفسه أو الموجود الذي لا يريد وجود محبوبه إلا في عين ذلك الموجود فبهذا القدر نقول في الموجود إنه محبوب وإن لم يكن إلا فيه لا عينه فذلك الموجود إن كان ممن يتصف بالإرادة فيمكن أن يحبه له لا لنفسه وإن لم يتصف بالإرادة فلا يحب المحب محبوبه إلا لنفسه أعني لنفس المحب لا لمحبوبه فإن محبوبه غير موصوف بأن له محبة في شئ أو غرضا لكن الذي يوجد فيه هذا المحبوب قد يكون ذا إرادة فيتعين على المحب أن يحب محبوب ذلك الموجود فيحبه له ولكن بحكم التبع هذا تعطيه المحبة فإن المحب يطلب بذاته الوصلة بعد طلبه وجود محبوبه فإن عين وجود محبوبه عين وصلته لا بد من ذلك وهو قولنا زمان الوجود زمان الوصال * زمان الوداد كلوا واشربوا وهذا البيت من قصيدة لنا في مجلي حقيقة تجلت لنا في حضرة شهودية وهي تعجبت من زينب في الهوى * وليس لنا غيرها مذهب فلما تجلى لنا نور من * أنار الحشي فانجلى الغيهب بذلت لها نفسها ضنة * بها والهوى أبدا متعب فلم يك بين حصول الهوى * ونيل المنى أمد يضرب لأنه عندما يحصل الهوى يقع التنفس والتنهد فيخرج النفس بشكل ما تصور في نفس المحب من صورة المحبوب