الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

223

الأخبار الدخيلة

اعذّب لكم هذا الساحر عذابا يضلّ عنه كيده فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور جوفاء واسعة ثمّ حشاها نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا ، ثمّ أدخل جرجيس مع الحشوفي جوفها ، ثمّ أوقد تحت الصورة فلم يزل يوقد حتّى التهبت الصورة وذاب كلّ شيء فيها واختلط ومات جرجيس في جوفها ، فلمّا مات أرسل اللّه ريحا عاصفا فملأت السماء سحابا أسود مظلما فيه رعد لا يفتر وبرق وصواعق متداركات ، وأرسل اللّه إعصارا فملأت بلادهم عجاجا وقتاما حتّى اسودّ ما بين السماء والأرض وأظلم ومكثوا أيّاما متحيّرين في تلك الظلمة لا يفصّلون بين اللّيل والنهار وأرسل اللّه ميكائيل فاحتمل الصورة الّتي فيها جرجيس حتّى إذا أقلّها ضرب بها الأرض ضربا فزع من روعتها أهل الشام أجمعون وكلّهم يسمعها في ساعة واحدة فخرّوا لوجوههم صعقين من شدّة الهول وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حيّا ، فلمّا وقف يكلّمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض ورجعت إليهم أنفسهم فقال له رجل منهم يقال له : « طرقبلينا » : لا ندري يا جرجيس أنت تصنع هذه العجائب أم ربّك ، فإن كان هو الّذي يصنعها فادعه يحيهم حتّى يعودوا كما كانوا ونكلّمهم ونعرف من عرفنا منهم ومن لا نعرف أخبرنا خبره ، فقال له جرجيس : لقد علمت ما يصفح اللّه عنكم هذا الصفح ويريكم هذه العجائب إلّا ليتمّ عليكم حججه فتستوجبوا بذلك غضبه ، ثمّ أمر بالقبور فنبشت وهي عظام ورفات ورميم . ثمّ أقبل على الدّعاء فما برحوا مكانهم حتّى نظروا إلى سبعة عشر إنسانا تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية فإذا شيخ منهم كبير فقال له جرجيس : أيّها الشيخ ما اسمك ؟ قال : يوبيل ، فقال : متى متّ ؟ قال : في زمان كذا وكذا فحسبوا فإذا هو قدمات منذ أربعمائة عام . فلمّا نظر إلى ذلك الملك وصحابته قالوا : لم يبق من أصناف عذابكم شيء إلّا قد عذّبتموه إلّا الجوع والعطش فعذّبوه بهما فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة فقيرة كان حريزا وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد فحصروه في بيتها فلا يصل إليه من عند أحد طعام