الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
143
الأخبار الدخيلة
أحسن منها ولا أخفّ على القلب ولا أرقّ من نسيمها ولا أطيب من هوائها ولا أعذب من مائها وهي راكبة البحر على جبل من صخر أبيض كأنّه لون الفضّة وعليها سور إلى ما يلي البحر ، والبحر يحوط الّذي يليه منها ، والأنهار منخرقة « 1 » في وسطها يشرب منها أهل الدّور والأسواق وتأخذ منها الحمّامات ، وفواضل الأنهار ترمى في البحر ومدى الأنهار فرسخ ونصف وفي تحت ذلك الجبل بساتين المدينة وأشجارها ومزارعها عند العيون ، وأثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها ، ولا أعذب ، ويرعى الذّئب والنعجة عيانا ، ولو قصد قاصد لتخلية دابّة في زرع غيره لمارعته ، ولا قطعت قطعة حمله . ولقد شاهدت السباع والهوامّ رابضة في غيض تلك المدينة ، وبنو آدم يمرّون عليها فلا تؤذيهم فلمّا قدمنا المدينة وأرسى المركب فيها وما كان صحبنا من الشوابي والذوابيح من المباركة بشريعة الزّاهرة صعدنا فرأينا مدينة عظيمة عيناء ، كثيرة الخلق ، وسيعة الرّبقة ، وفيها الأسواق الكثيرة ، والمعاش العظيم ، وترد إليها الخلق من البرّ والبحر ، وأهلها على أحسن قاعدة ، لا يكون على وجه الأرض من الأمم والأديان مثلهم وأمانتهم حتّى أن المتعيّش بسوق يرده إليه من يبتاع منه حاجة إمّا بالوزن أو بالذّراع فيبايعه عليها ، ثمّ يقول : أيّا هذا زن لنفسك واذرع لنفسك ، فهذه صورة مبايعاتهم ، ولا يسمع بينهم لغو المقال ولا السفه ، ولا النميمة ، ولا يسبّ بعضهم بعضا ، وإذا نادى المؤذّن الأذان لا يتخلّف منهم متخلّف ذكرا كان أو أنثى إلّا ويسعى إلى الصلاة ، حتّى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض رجع كلّ منهم إلى بيته حتّى يكون وقت الصلاة الأخرى ، فتكون الحال كما كانت ، فلمّا وصلنا المدينة وأرسينا بمشرعتها أمرونا بالحضور إلى عند السلطان فحضرنا داره ودخلنا إليه إلى بستان صور في وسطه قبّة من قصب ، والسلطان في تلك القبّة وعنده جماعة وفي باب القبّة ساقية تجري فوافينا القبّة ، وقد أقام المؤذّن الصلاة فلم يكن أسرع من أن امتلأ البستان بالنّاس وأقيمت الصلاة فصلّى بهم جماعة ، فلا واللّه لم تنظر عيني أخضع منه للّه ولا ألين جانبا لرعيّته ، فصلّي من صلّى مأموما ، فلما قضيت الصلاة التفت إلينا وقال : هؤلاء القادمون ؟ قلنا نعم
--> ( 1 ) في بعض النسخ « منحرفة » .