الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

110

الأخبار الدخيلة

أسفله ، فقال : انزل فههنا يذلّ كلّ صعب ويخضع كلّ جبّار ، ثمّ قال : خلّ عن زمام الناقة ، قلت : فعلى من أخلّفها ؟ فقال حرم القائم لا يدخله إلّا مؤمن ولا يخرج منه إلّا مؤمن ، فخلّيت من زمام راحلتي وسارو سرت معه إلى أن دنا من باب الخباء فسبقني بالدّخول وأمرني أن أقف حتّى يخرج إليّ ، ثمّ قال لي : ادخل هناك السلامة ، فدخلت فإذا أنا به جالس قد اتّشح ببردة واتّزر بأخرى وقد كسر بردته على عاتقه وهو كأقحوانة أرجوان « 1 » قد تكاثف عليها الندى وأصابها ألم الهوى ، وإذا هو كغصن بان « 2 » أو قضيب ريحان ، سمح سخيّ تقيّ نقىّ ، ليس بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللّازق ، بل مربوع القامة ، مدوّر الهامة ، صلت الجبين ، أزجّ الحاجبين ، أقنى الأنف ، سهل الخدّين ، على خدّه الأيمن خال كأنّه فتات مسك على رضراضة عنبر ، فلمّا أن رأيته بدرته بالسلام فرّد عليّ أحسن ما سلّمت عليه وشافهني وسألني عن أهل العراق ، فقلت : سيّدي قد ألبسوا جلباب الذّلة ، وهم بين القوم أذلّاء ، فقال لي : يا ابن المازيار أبي أبو محمّد عهد إليّ أن لا أجاور قوما غضب اللّه عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدّنيا والآخرة ، ولهم عذاب أليم ، وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلّا وعرها ، ومن البلاد إلّا غفرها ، واللّه مولاكم أظهر التقيّة فوكّلها بي فأنا في التقيّة إلى يوم يؤذن لي فأخرج ، فقلت : يا سيّدي متى يكون هذا الأمر ؟ فقال : إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة واجتمع الشمس والقمر ، واستدار بهما الكواكب والنجوم ، فقلت : متى يا ابن رسول اللّه ؟ فقال لي : في سنة كذا وكذا تخرج دابّة الأرض من بين الصفا والمروة ومعه عصا موسى وخاتم سليمان ، يسوق النّاس إلى المحشر . قال : فأقمت عنده أيّاما وأذن لي بالخروج بعد أن استقصيت لنفسي وخرجت نحو منزلي ، واللّه لقد سرت من مكّة إلى الكوفة ومعي غلام يخدمني ، فلم أر إلّا خيرا وصلّى اللّه على محمّد وآله وسلّم تسليما .

--> ( 1 ) الأقحوان - بالضم - البابونج . والأرجوان : الارغوان . ( 2 ) البان : شجر سبط القوام ، لبن الورق . يشبه به القد لطوله .