عبد الرزاق اللاهيجي
20
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
البحث ، قال سبحانه : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً « 1 » ، فهذه الآية تعرب عن عدم تعلّق مشيئته سبحانه بإيمان من في الأرض ، ولكن من جانب آخر تعلّقت مشيئته بإيمان كلّ مكلّف واع ، قال سبحانه : وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ « 2 » ، فقوله « الحق » عام ، كما أنّ هدايته السبيل عامة مثله لكلّ الناس . وقال سبحانه : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ « 3 » ، إلى غير ذلك من الآيات الناصّة على عموم هدايته التشريعية . الثالث : إنّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كلّف به أهل الطاعة والإيمان بنصّ القرآن الكريم ، والتكليف عليهم لا يكون ناشئا من إرادة اللّه سبحانه وإلّا لزم تفكيك إرادته عن مراده ، ولا بدّ أن يكون هناك منشأ آخر للتكليف وهو الذي نسمّيه بالكلام النفسي تارة ، وبالطلب أخرى . فيستنتج من ذلك أنّه يوجد في الإنشاء شيء غير الإرادة . وقد أجابت عنه المعتزلة بأنّ إرادته سبحانه لو تعلّقت بفعل نفسه فلا تنفك عن المراد ، وأمّا إذا تعلّقت بفعل الغير فبما أنّها تعلّقت بالفعل الاختياري الصادر من العبد عن حرية واختيار ، فلا محالة يكون الفعل مسبوقا باختيار العبد ، فإن أراد واختار العبد يتحقّق الفعل ، وإن لم يرد فلا يتحقّق .
--> ( 1 ) . يونس : 99 . ( 2 ) . الأحزاب : 4 . ( 3 ) . النساء : 26 .