عبد الرزاق اللاهيجي
19
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
وإن شئت قلت : إنشاء البعث إلى الفعل أو الزجر عنه ، والكلّ واقع في إطار اختيار الآمر ويعدّان من أفعاله الاختيارية . نعم ، الغاية من البعث والزجر هي انبعاث المأمور إلى ما بعث إليه ، أو انتهاؤه عمّا زجر عنه ، لعلم المكلّف المأمور بأنّ في التخلّف مضاعفات دنيوية أو أخروية . وعلى ذلك يكون تعلّق إرادة الآمر في الأوامر الجدية والاختيارية على وزان واحد ، وهو تعلّق إرادته ببعث المأمور وزجره ، لا فعل المأمور ولا انزجاره ، فإنّه غاية للآمر لا مراد له ، فالقائل خلط بين متعلّق الإرادة ، وما هو غاية الأمر والنهي . وباختصار : إنّ فعل الغير لمّا كان خارجا عن اختيار الآمر لا تتعلّق به الإرادة . وربما يبدو في الذهن أن يعترض على ما ذكرنا بأنّ الآمر إذا كان إنسانا لا تتعلّق إرادته بفعل الغير لخروجه عن اختياره ، وأمّا الواجب سبحانه فهو آمر قاهر ، وإرادته نافذة في كلّ شيء : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً . « 1 » ولكن الإجابة عن هذا الاعتراض واضحة ، فإنّ المقصود من الإرادة هنا هو الإرادة التشريعية ، وأمّا الإرادة التكوينية القاهرة على العباد المخرجة لهم عن وصف الاختيار ، الجاعلة لهم كآلة بلا إرادة ، فهي خارجة عن مورد
--> ( 1 ) . مريم : 93 .